جوبتا في قبضة العدالة

نظر القاضي بحدة وقال " بدون مبالغة أستطيع أن أقول لك أن المحكمة لم يسبق لها النظر في قضية جنائية يكون المتهم ذو تاريخ طويل من المساهمة الإيجابية في الحياة البشرية كالسيد جوبتا ولكن السيد جوبتا كان ملما بواجباته كعضو مجلس إدارة في بنك غولدمان ساكس، فإن قيامه بتسريب معلومات سرية وجوهرية عن البنك لأحد أصدقائه يعتبر في نظر المحكمة طعنة في ظهر البنك ومساهميه الذين وثقوا في السيد جوبتا ". هذا ما قاله القاضي راكوف في محكمة جنوب منهاتن بنيويورك لمحامي السيد جوبتا.

وسبب حدة القاضي تعود إلى أنه في عام 2008 عندما كان السيد جوبتا عضوا في مجلس إدارة بنك غولدمان ساكس، وبينما البنك يترنح من وطأة الأزمة المالية العالمية، والبنك مقبل على الإفلاس تقدم الملياردير وارن بوفيت بعرض لضخ 5 مليارات دولارفي البنك مقابل الحصول على أسهم، وقد تمت مناقشة العرض بمنتهى السرية في إجتماع مجلس إدارة البنك، ولكن السيد جوبتا قام بتسريب هذه المعلومة إلى أحد أصدقائه المستثمرين في وول استريت واعتمادا على هذه المعلومات السرية استطاع صديقه شراء أسهم البنك بسعر منخفض وإعادة بيع الأسهم بعد الإفصاح رسميا عن عملية الأستحواذ وتحقيق ما يقارب من مليون دولار من الربح بسبب هذه المعلومه.

وبعد أن خلصت هيئة المحلفين الإتحادية بإدانة السيد جوبتا بتهمة الإحتيال والتآمر، لم يتورع القاضي عن الحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات منها سنة في الإقامة الجبرية، ودفع غرامة مالية قدرها 5 ملايين دولار، أما صديقه المستثمر فقد تم الحكم عليه بالسجن لمدة11 سنة لاستخدامه لتلك المعلومات السرية في عمليات شراء للأسهم.

و بلا شك تعتبر جريمة تسريب المعلومات من الجرائم التي يسهل القيام بها ويصعب إثباتها، ورغم ان العجوز جوبتا يعتبر شخصية استثنائية لها بصمتها في الإدارة العامة والصحة والتعليم وعالم الإستشارات على مستوى العالم وشخص ذو نفوذ وسطوة وعلاقات في واشنطن ومعظم عواصم العالم، ولن أبالغ عندما أقول أن جوبتا يعرف دهاليز واشنطن أكثر من كثيرين من السياسين في واشنطن فقد كان الناصح الأمين والمستشار الذي لايشق له غبار.

وقد ولد جوبتا في الهند، وعلى الرغم من تيتمه في سن السادسة عشرة واصل دراسته الجامعية وبتفوق، ودرس الماجستير في إدارة الأعمال في جامعة هارفرد بالولايات المتحدة، ومن ثم عمل في شركة ماكينزي أند كو العالمية للإستشارات وتدرج في السلم الوظيفي إلى أن وصل إلى منصب الرئيس التنفيذي لماكينزي أند كو لثلاث دورات متلاحقة وهي اطول فترة مسموح بها في الشركة، ليصبح أول امريكي من اصول هندية يصل لمنصب كهذا. واستطاع خلال مدة رئاستة مضاعفة أرباح الشركة إلى أكثر من ثلاثة أضعاف وافتتاح أكثر من 20 مكتبا جديدا في أنحاء العالم.

وبعد تقاعده تم تعيينه كشريك فخري لماكينزي أند كو وأصبح مستشارا وعضوا في مجلس إدارة الكثير من الشركات العالمية البارزة كغولدمان ساكس، وشركة بروكتر وجامبل والخطوط الجوية الأمريكية، وكذلك لاننسى عضويته في بعض المؤسسات الغير ربحية مثل مؤسسة غيتس للأعمال الخيرية. كما قام بتأسس كلية الأعمال الهندية والتي تعتبر ضمن أفضل 20 كلية أعمال على مستوى العالم تبعا للفينانشيل تايمز.

ورغم نفوذه وحنكته يعتبر تسريبه للمعلومات السرية لشركة مساهمة عامة خطأ كبيرا وجريمة يعاقب عليها القانون ومن الغريب أن يقع فيها شخص بذكاء وخبرة جوبتا وثروته التي تقدر باكثر من 100 مليون دولار أمريكي.

حيث ان المعلومات الداخلة للشركات المساهمة االعامة والتي يحصل عليها الشخص بحكم وظيفته تعتبر أسراراً يتعين الحفاظ عليها، ويؤدي تسريبها إلى مستثمرين معينين اخلالا بمبادئ الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص، وهي من أهم مرتكزات الاقتصاد والسوق الحر.

وهذا الخلل في توزيع المعلومات بين المستثمرين يؤدي الي استحواذ وتغول فئة قليلة على السوق وخسارة الأغلبية لاستثماراتها ومدخراتها. كما يؤدي إلى نشوء سوق للمضاربة حيث ينتقل هاجس المتعاملين من تحليل المعلومات العامة وتفسيرها الى الحصول على المعلومات الداخلية وشراؤها مما يجعل السوق المالي بيئة خطرة وغير جاذبة للاستثمارات.

وهناك نوعان من تسريب المعلومات الأول: تسريب المعلومات عن القوائم المالية، والثاني: تسريب المعلومات عن خطط الشركة المستقبلية، وتلك المعلومات تتم مداولتها بسرية تامة من قبل مجلس ادارة الشركة وهناك أوقات وطرق للإفصاح عنها للمساهمين، لما لها من تاثيرات سلبية او ايجابية على أسهم الشركة.

هذا ما دفع بالمشرع الأمريكي إلى إنشاء فرق عمل متخصصة لهذه الجرائم نجحت في إدانة اكثر من 70 شخصا من كبار العاملين في وول ستريت في السنوات الخمس الاخيرة.

وقد تمت زيادة العقوبات بحق الأشخاص الذين يثبت قيامهم بارتكاب مخالفات تتعلق بإفشاء أو تسريب الأسرار الداخلية للشركات المساهمة العامة، كما تزيد تلك العقوبات في الحالات التي يحصل فيها المخالف على أي منفعة أو مقابل لنفسه أو لغيره لقاء تسريب المعلومات بالسجن لمدة قد تصل الى 25 سنة.

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات