ستظل قضية التعليم وتطويره الشغل الشاغل لكل المخلصين من أبناء هذا الوطن، الحريصين على مستقبل أبنائه، المستشرفين لآفاق المستقبل، والقادرين على تحديد أولويات كل مرحلة، والمستعدين لمواجهة التحديات التي تواجه مسيرته نحو الرقي إلى أبعد مدى دون خط محدد للنهاية.
كما يؤكد مرارا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولأن الأمر جد والطرق الشاقة الوعرة تحتاج إلى العارفين تعاريجها والقادرين على طي مسافاتها لبلوغ الغاية مها كلف ذلك من وقت، ولأن الإمارات بحدائقها السبع التي يتنسم المواطن عبيرها دون أن يسأل من أي البساتين أتي لأنها لا تتكامل فقط فيما بينها ولكنها تتطابق وتنصهر الرؤى ليخرج النور من مشكاة واحدة يضئ الطريق لأبناء الوطن.
ولأن الأمر كذلك فإن احتفال إمارة عجمان "بيوم العلم" في دورته السادسة والعشرين يعبر عن وعي تام ورغبة صادقة وإرادة ماضية ورؤية ثاقبة وعزم ماض لا تردد فيه للأخذ بأهم أدوات العصر وهو العلم، والأستثمار في ثروته التي لا تنضب، وهم أبناء الوطن، لتظل الإمارات درة التاج والتجربة التنموية التي ينظر اليها القاصي والداني بكل إحترام وتقدير.
لذلك لم يكن من المستغرب أن يرعى هذا الحفل صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي، وبحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الذي لا يستطيع أحد إلا أن يؤكد بصماته الواضحة على التطور الذي تشهده منظومة التعليم العالي في دولتنا.
ولم يكن الأحتفال بيوم العلم بروتكولي مراسمي، يكرم فيه من يستحق التكريم وهذا طيب، أو توزع فيه شهادات التقدير على كل من أجاد وهذا محفز لمزيد من الأجادة، ولكن أراد راعي الحفل صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي أن يلج إلى لب القضية لتشخيص الداء ثم البحث عن وصفة للعلاج تعود بالفائدة علينا جمعيا؛ فكان المؤتمر الذي شرف بحضوره يحمل عنوان "التفكير الإبداعي وتحديات التعليم".
والذي عقد بالتعاون بين جمعية أم المؤمنين و جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، صاحبة التجربة المتميزة في إنشاء بيئات مبدعة منها "بيئة الإبداع الطبي"، لتجسد هذه الصورة المشرقة التناغم والتكامل بين المؤسسات التعليمية، باعتبارها مراكز للتنوير وبيتا للخبرة وبيئة للإبداع، وبين الجمعيات الأهلية ودورها في الالتحام بقضايا مجتمعها.
هذا التكامل هو أهم السبل لتنفيذ الرؤى ووضع الآليات التي تصل بنا إلى التغلب على تحديات التعليم، وبخاصة أنها تحديات متجددة تظهر مع تغيرات العصر وحاجاته وما تم تطبيقه من نظم تعليمية بما تحويه من مناهج وطرق تدريس لإيصال المعلومة والمهارات الواجب اكتسابها في فترات زمنية سابقة، يقينا تحتاج إلى إعادة تقييم بعد فترة لاحقة.
لذا كان اقتران تحديات التعليم مع التفكير الإبداعي إختيار يعبر إبتداء عن طبيعة العصر وكذلك الهدف الأسمى من هذا المؤتمر، وهو كيف تستطيع مخرجاتنا التعليمية أن تبلغ مرحلة الفكر المبدع في عالم أضحت فيه الأفكار التقليدية عاجزة عن تقديم الحلول لكثير مما يعانيه، ولم يكن ذلك ليتم إلا عبر حزمة من الآليات المتكاملة أولها دراسة الواقع التعليمي دراسة علمية متأنية لتشخيص أوجه الخلل، عبر حلقات من النقد الذاتى جنبا إلى جانب مع مسيرة تطويره، ثم توسيع دائرة الرؤية لنرى ما حولنا من خلال الاطلاع على تجارب الدول المحيطة والقريبة، ومنها تجربة ماليزيا في تطوير التفكير الإبداعي؛ ذلك لأن نظام التعليم في ماليزيا.
كما أوضحت الدكتورة سيتي رازمايني - جامعة مارا للتكنولوجيا - قصة النجاح التي عاشها المجتمع الماليزي في سنينه المختلفة معتمداً في ذلك على الإرادة القوية والطموح المتوثب والتخطيط الدقيق المنظم والعمل السريع الفاعل، استطاعت بفضل نظامها التعليمي المتفرد أن تحقق الوحدة الوطنية.
كما أن تحقيقها لنمو اقتصادي مطرد كان انعكاساً واضحاً لاستثمارها للعنصر البشري، الذي يعد أغلى الثروات التي تمتلكها الأمم، كما تقوم ماليزيا حديثا بتوظيف التعليم كأداة حاسمة لبلوغ مرحلة الاقتصاد المعرفي القائم على تقنية المعلومات والاتصال، من خلال نظم تعليمية متطورة وتحفيز التفكير الابداعي وتطويره.
ويمثل مشروع المدارس الذكية في ماليزيا إحدى الركائز الست لمشروع "السوبر كوريدوز" العملاق الذي يهدف إلى تحويل ماليزيا إلى العاصمة المعلوماتية في العالم، عبر تحويل المجتمع الماليزي إلى مجتمع مبني على قاعدة المعرفة بحلول عام 2020م، وتعتبر هذه المدارس تطبيقاً لمشروع التعليم الإلكتروني المنبثق من الخطة الوطنية التقنية للتعليم؛ ويعمد المشروع إلى تمكين الطالب من معرفة مدى استيعابه، ومن تنفيذ عملية اقتناء المعرفة عبر برامج خاصة معدة لهذا الغرض، ومن التركيز على الإنجازات الشخصية.
من ناحية أخرى لم يتجاهل الباحثون والخبراء والأكاديميون في المؤتمر أهمية "تطوير مهارات المدرسين لتحفيز التفكير الإبداعي" وهو ما أكد عليه المؤتمرون في التوصيات النهائية في أن يكون للمعلم دور رائد في عملية التطوير التربوي، عن طريق مساعدة المتعلم على الوصول للمعرفة وطرائق توليدها وبنائها واستخدامها في المواقف التعليمية المختلفة.
وكذلك توجيه المتعلم إلى استخدام قدراته العقلية والحسية لتحقيق التعلم الذاتي، وتنمية قنوات التواصل مع الآخرين، والرغبة في معرفة كل ما هو جديد، والمرونة في التعامل مع الفكر المغاير، والقدرة على تحديد المشكلات والسعي إلى حلها مستخدما الأسلوب العلمي في التفكير، سواء أكان فرداً أم عضواً في جماعة، شريطة أن يستمتع المتعلم بالقيام بكل هذه الأنشطة ويظهر أثر التعلم في سلوكه، ووسيلتنا إلى ذلك الأخذ بمنهج التربية الشمولية المتكاملة لشخصية المتعلم.
والتي تسعى لإعداد المتعلم القادر على استيعاب استراتيجيات تدريسية تتسم بالتنوع والحداثة وتطبيقها على أرض الواقع، فضلا على اعتبار الطالب وهو الحلقة الأهم والغاية والمبتغى شريك أساس في عملية التعليم وليس فقط مجرد متلق، عبر مشاركته في الخطط والإستراتيجيات التعليمية والبرامج المعدة لتطويرها، وكذلك قياس مدى استيعابه لكل مرحلة من مراحل التطور ومعرفة الأثر الراجع عبر آليات محددة.
إن قيادة تحتفل بالعلم وترعى طلابه وتواجه تحدياته وتخطط لمستقبله هي قيادة تدرك طبيعة العصر وأدواته وهو مايجعلنا أكثر أطمئنانا على حاضرنا ومستقبل أبنائنا.