أيام قليلة تفصلنا عن أكبر مؤتمر يُعقَد على ظهر البسيطة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. مؤتمر هو بكل المقاييس قمة المؤتمرات التي يمكن أن يجتمع فيها كل هذا العدد من البشر، القاعدة العريضة من حضوره هم عامة الشعوب التي تجمع بينها هموم شتى، وتشغلها قضايا كثيرة، بعضها شخصي موغل في الخصوصية، وبعضها عام.

وإلى جانب هذه القاعدة العريضة، هناك بعضٌ من أهل القمة، لا يتاح للشعوب عادة رؤيتها بالعين المجردة، والاجتماع معها على صعيد واحد، وتحت سقف واحد، وفي محيط واحد، في وقت واحد. لكنها عظمة الإسلام التي قضت بأن يلتقي هذا العدد الهائل من المسلمين على صعيد عرفات الطاهر، وأن يتساوى الغني والفقير والحاكم والمحكوم في التضرع إلى الخالق العظيم، كي يتقبل منهم ويغفر لهم، ليعودوا كما ولدتهم أمهاتهم، إذا أخلصوا النية، ولم يكن حجهم مجرد مظهر اجتماعي، أو طقس يؤدونه وهم مصرون على أن لا يعودوا أنقياء طاهرين، كما ولدتهم أمهاتهم.

ثمة مواعظ ودروس وأحكام كثيرة يمكن أن تؤخذ من هذا الجمع الذي قَلّ أن تجد له مثيلاً، أعظمها مستمد من خطبة الرسول، صلى الله عليه وسلم، في "حجة الوداع" التي ختم بها حياته. وهي خطبة أفاض العلماء والباحثون في شرحها واستنباط الأحكام والدلالات منها، وهي أحكام ودلالات عظيمة يحتاج كل واحد منها إلى كتب، وربما مجلدات، للإحاطة به.

لكن الدلالة الأعظم فيها ما بدأ به "صلى الله عليه وسلم" خطبته، وهي دلالة من المهم أن نعود إليها هذه الأيام، ونستخلص الرسالة العظيمة المعبرة التي وجهها نبي هذه الأمة وهو يوشك أن يغادر هذه الدنيا، بعد أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. فبماذا بدأ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خطبته في حجة الوداع؟

بدأ الرسول، صلى الله عليه وسلم، الخطبة بتحريم دماء المسلمين وأموالهم عليهم، فقال: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا". حدث هذا قبل أكثر من 1400 عام، بعد أن أكمل الله للمسلمين دينهم، وأتم عليهم نعمته، فما الذي جرى بعد ذلك، وهل استجاب المسلمون لأمر نبيهم وانصاعوا له؟

توفي النبي، صلى الله عليه وسلم، في الربع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، بعد أشهر قليلة من حجة الوداع، فتولى الخلافة بعده أبوبكر الصديق، رضي الله عنه، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثلاثة أيام، استنفدتها حروب الردة التي كانت أول اختبار يواجهه أصحاب الرسول، صلى الله عليه وسلم، بعد وفاته.

ثم كانت خلافة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، التي استمرت عشر سنين ونصف تقريباً، كانت فترة فتوحات، توسعت خلالها رقعة الدولة الإسلامية، واستوعبت أراضي الإمبراطورية الفارسية الساسانية، وحوالي ثلثي أراضي الإمبراطورية البيزنطية، لكن حياته انتهت بالقتل على يد أبي لؤلؤة المجوسي الذي طعنه وهو يصلي بالمسلمين الفجر، ليبدأ مسلسل الدم الذي امتد بعد ذلك ليشمل الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان الذي حوصر في داره عشرين يوماً، وقيل أربعين، ومُنِع من الصلاة في المسجد، ووصل الأمر بالمتآمرين عليه أن منعوا وصول الماء إليه، قبل أن يقتحموا عليه داره، ويضربوه بالسيف.

وهو يقرأ القرآن، فيسيل دمه على المصحف الشريف، ويموت شهيداً في صبيحة عيد الأضحى سنة 35 هجرية، ليطلق اغتياله شرارة ما عُرِف بعد ذلك في التاريخ الإسلامي بقضية "الفتنة الكبرى" التي سالت فيها دماء كثيرة، وشُقّ فيها صف المسلمين، وظهرت فرق لم يعرفها المسلمون قبل هذه المحنة، ووقع القتل بين الصحابة من قبل مثيري الفتنة، فطُعِن الزبير بن العوام، أحد العشرة المبشرين بالجنة، في ظهره وهو يصلي، وقُتِل طلحة بن عبيد الله.

وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة أيضاً، في موقعة الجمل، ثم قُتِل رابع الخلفاء الراشدين علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، في مؤامرة اتفق على تنفيذها ثلاثة من الخوارج، نجح منهم عبدالرحمن بن ملجم في اغتيال علي أثناء خروجه لأداء صلاة الفجر في السابع عشر من شهر رمضان سنة 40 هجرية.

بينما أخفق صاحباه في قتل معاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، اللذين كانا ضمن خطة الاغتيال الثلاثية. وما أن اكتمل عقدان على مقتل علي، كرّم الله وجهه، حتى نُكِبت الأمة بمقتل سبط الرسول، صلى الله عليه وسلم، الحسين بن علي، رضي الله عنهما، في واحدة من أكبر مآسي التاريخ الإسلامي، وأكثرها جدلاً وتأثيراً في حياة المسلمين؛ معركة "كربلاء" التي تعتبر علامة فارقة، مازالت لها آثارها السياسية والعقائدية والنفسية، منذ العاشر من محرم سنة 61 هجرية، وحتى اليوم.

مسلسل الدم هذا الذي تواصل بعد ذلك، عبر مواقع ومعارك وأحداث يضيق المجال عن حصرها، ما زال مستمراً، يلقي بظلاله في عصرنا الحاضر، ويقدم لنا حلقات جديدة من سلسلة إراقة دماء المسلمين، وانتهاك حرمة هذه الدماء التي نراها تسيل أمامنا كل يوم، إما من أجل البقاء على الكراسي، أو من أجل الوصل إلى تلك الكراسي، دون أن يأبه أبطال هذا المسلسل الدموي بمن يقع من ضحايا، ولا بوصية الرسول الأعظم في ذلك اليوم العظيم. فهل يستذكر المسلمون وهم يجتمعون على صعيد عرفات الطاهر، ما وصّاهم بهم نبيهم الكريم قبل أكثر من 1400عام، في موقف مشابه للموقف الذي سيقفونه بعد أيام؟

نتمنى أن يفعلوا ذلك، كي يتوقف مسلسل الدماء التي ارتوت منها الأرض واشتكت منها السماء، دون أن ترتوي نفوس أولئك الذين يجلسون على الكراسي، وأولئك الذين يتطلعون إلى الجلوس عليها، ويبدو أنها لن ترتوي حتى تجري دماؤهم، هم أيضاً، في هذا النهر الذي آن له أن يتوقف عن الجريان.