الولايات المتحدة وروسيا الخصمان اللدودان إبان عشرات السنين من حقبة الحرب الباردة عادت خصومتهما إلى الأضواء مجددا مع بدء الشارع السوري بالإنتفاض على النظام القائم في حلقة ساخنة جدا من حلقات ما يعرف بالربيع العربي.

حين إنتهت الحرب الباردة بتفكك الإتحاد السوفييتي مرت روسيا بمرحلة من الإنحطاط السياسي والإقتصادي والقيمي إستمر طيلة عقد من الزمن كانت نهايته مع وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة ليبدأ بإحدى أصعب المهام وهو إنتشال روسيا من حالة الإنهيار ووضعها من جديد على سكة النفوذ الدولي.

العصر الذي جاء ببوتين لسدة الحكم يتسم بملامح مهمة ليست في صالح روسيا ، فدورها على مستوى العالم لم يعد كما كان دور الإتحاد السوفييتي رغم أنها لم تفقد أبرز ما يمنحها القوة وهو ترسانتها النووية ومقعدها الدائم في مجلس الأمن الدولي ، إلا أنها فقدت ذلك الوهج الذي أحاط بالإتحاد السوفييتي منذ تأسيسه وهو المشروع السياسي الذي حمله والذي طالما داعب أحلام الشباب ومنح الدول الصغيرة وشعوبها أملا في المستقبل ، فقد كان للإتحاد السوفييتي رسالة تداعب الحلم الإنساني مقابل الرسالة الليبرالية للغرب بزعامة الولايات المتحدة.

حقبة ما بعد الحرب الباردة شهدت نقاط إشتباك ليست قليلة بين روسيا ودول أوروبا الغربية والولايات المتحدة نذكر منها عائدات الموارد الطبيعية وخاصة النفط في منطقة القطب الشمالي التي تتشاطىء معها عدد من الدول بضمنها روسيا والولايات المتحدة .

والحرب التي شنها الناتو على صربيا وإعلان إستقلال كوسوفو عن جمهورية الصرب عام 2008 وزحف حلف الناتو نحو حدود روسيا وإصرار الحلف على نصب الدرع الصاروخي المضاد للصواريخ في جمهوريتي بولندا والتشيك وغيرها الكثير من الأمور الأقل أهمية.

معظم هذه الإشتباكات لا تزال قائمة إلا أن الإشتباك الأخير هو الأكثر علنية لأن مجلس الأمن الدولي كان إحدى ساحاته حيث إستخدمت روسيا وشاركتها الصين حق الفيتو للمرة الثالثة لإبطال المشروع الغربي في تجريد النظام السوري من الشرعية.

كان نبض الشارع في معظم دول الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية مع الحلم الذي صاغه الإتحاد السوفييتي وكانت الولايات المتحدة على رأس قائمة الدول المكروهة في هذا الشارع لإرتباط إسمها ودورها بالمشاريع الإستعمارية وإسنادها للأنظمة الطاغية.

يبدو أن الوضع قد تبدل الآن حيث فقدت روسيا بريقها ولم تعد تحمل رسالة متميزة عن رسالة الغرب بل أصبحت تخوض صراعاتها معه على أسس مصلحية لاغير وهي من دون حلفاء سوى بضعة أنظمة تعادي الغرب والولايات المتحدة لأسباب مختلفة.

وإذا أخذنا بنظر الإعتبار مدى التوازن في القوى التي تجعل أيا منهما ندا للآخر يختل التوازن كثيرا في غير صالح روسيا. فعلى المستوى الإقتصادي تقف الولايات المتحدة على رأس دول العالم في إجمالي الناتج المحلي الذي يزيد قليلا على خمسة عشر ترليون دولار بينما تحتل روسيا المركز التاسع بناتج إجمالي محلي يقل عن إثنين ترليون دولار. أما على مستوى الميزانيات الدفاعية ففي عام 2011 بلغت ميزانية البنتاغون 711 بليون دولار في حين كانت ميزانية روسيا العسكرية 72 بليون دولار فقط.

أما على مستوى النفوذ السياسي فالميزان ، مرة أخرى ، ليس في صالح روسيا فقد إنحاز معظم شركائها في حلف وارسو نحو حلف الناتو من جهة ، ودخلت هي في خلافات عميقة مع دول الإتحاد السوفييتي نفسه وصلت حد المواجهة العسكرية كما حصل مع جورجيا حول مقاطعة أوسيتيا الجنوبية عام 2008 ، من جهة ثانية. وعلى مستوى الإسهام في التطور العلمي والتكنولوجي فالقامة الروسية أبعد من أن تطال القامة الأميركية.

أما على مستوى الحصانة الأمنية ومدى مناعة الوضع الداخلي ، فالمجتمع الأميركي أكثر إستقرارا من نظيره الروسي فهو لا يشكو من تشنجات عرقية أو دينية كما هو الحال مع روسيا خاصة في منطقة القوقاز.

المواجهة بين الطرفين مستبعدة جدا ، فهي لم تحدث طيلة أكثر من أربعة عقود إبان حقبة الحرب الباردة ، لكن الإشتباك جرى بينهما عن طريق قيام آخرين بهذا الدور كما حدث في الحرب الكورية والحرب الفيتنامية وفي صراعات الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية.

وفي الوقت الذي سعت فيه الولايات المتحدة منذ مجيء الرئيس أوباما لتحسين سمعتها في الخارج بعد أن شابتها الكثير من الأدران ابان حكم أسلافه خاصة الأخير منهم من خلال تعاطفها ومساعدتها للإنتفاضات التي شهدتها المدن العربية ضد الأنظمة الشمولية الحاكمة نرى روسيا تعمل عكس ذلك فقامت على إستحياء بتأييد التغيير في بعض هذه البلدان ثم كشفت عن موقفها الحقيقي حين تمسكت بإستمرار مساندة النظام السوري على الرغم من إرادة الأسرة الدولية ، حكومات ومنظمات مدنية.

روسيا لم تعد قوة عظمى رغم أنها تتصرف كذلك ، فمعايير الدولة العظمى لم تعد تنطبق عليها ، لقد تحولت منذ عام 1991 من نهج الإشتراكية نحو نهج الرأسمالية في إسلوب وعلاقات الإنتاج السلعي ، إلا أنها لا تزال غير قادرة على ردم الهوة التي حصلت بين التحول في النهج الإقتصادي والتحول في النهج الفكري الذي نشأت عليه أجيال عديدة من المجتمع الروسي.

على المستوى التعبوي روسيا لا تخطط من أجل التقارب مع أوروبا التي تنتمي إليها جغرافيا وتاريخيا ، فمع أن المدن الروسية الكبيرة ذات الكثافة السكانية العالية وبضمنها العاصمة موسكو تقع جميعا في القسم الأوروبي من روسيا ، نراها تفضل التحالف مع دول أخرى بعيدة لا تنسجم معها تاريخيا وثقافيا وهي دول جنوب شرق آسيا. وغني عن البيان ما لذلك من ضعف بنيوي يعتري تحالفات كهذه فهي تحالفات لا ترقى إلى مستوى إستراتيجي بعيد المدى.

ولعل من السابق لأوانه القول بأن الولايات المتحدة قد بدأت بإحتلال مكان الإتحاد السوفييتي السابق في كسب ود الشعوب وبدأت روسيا تحتل الموقع الأميركي السابق في حصاد كراهية الشعوب ، وهذا في الحقيقة هزيمة كبيرة أخرى للسياسة الروسية. الحرب الباردة التي نشهدها بين الولايات المتحدة وروسيا والتي اصبحت سوريا إحدى ساحاتها ليست حربا بين نِدين كما يتصور البعض ، فهزيمة روسيا محققة فيها.