مقتل السفير الأمريكي ورفاقه في ليبيا، صار في الولايات المتحدة قضية حزبية وانتخابية في المقام الأول، الأمر الذي صار يطرح أسئلة مهمة تتعلق برد الفعل الأميركي ومستقبل أوباما السياسي.

والحقيقة أنه من الطبيعي في عام انتخابي، أن يتحول حادث مؤلم كهذا أسفر عن خسائر في الأرواح وإشعال النار في مباني القنصلية، إلى قضية انتخابية. ومن هنا فإن الحدث الذي وقع يوم الحادي عشر من سبتمبر، أي في الذكرى الحادية عشرة لأحداث سبتمبر 2001، صار قضية لا تتعلق فقط بما إذا كان قد حدث تقصير أمني من جانب إدارة أوباما في حماية الدبلوماسيين الأمريكيين، وإنما صار مجالا لفتح ملف السياسة الخارجية تجاه المنطقة ككل.

فإدارة أوباما أعلنت، في الأيام الأولى بعد الواقعة، على لسان العديد من مسؤوليها، بمن في ذلك الرئيس نفسه ووزيرة الخارجية، ما يفيد بأن الحادث كان نتيجة الغضب الذي عم العالم العربي والإسلامي احتجاجا على الفيلم المسيء للرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم اتضح لاحقا أن الهجوم الذي أسفر عن اغتيال السفير ورفاقه، كان مدبرا ونفذته مجموعة على مستوى عال من التدريب والتسليح، لا مجرد متظاهرين غاضبين تحركوا بشكل تلقائي وإن كان عنيفا. وقد أحرج ذلك إدارة أوباما، فصارت متهمة بأنها إما ضللت الرأي العام عمدا، أو أنها فشلت في معرفة الحقائق وحماية الأمريكيين بناء عليها.

وبالفعل انطلق خصوم أوباما من الجمهوريين، لملاحقة إدارته عبر أكثر من وسيلة، منها فتح تحقيق في مجلس النواب الأمريكي عبر عقد جلسات استماع، لسبر غور القضية والتعرف على أبعادها.

وحتى الساعة، أسفرت تلك التحقيقات، التي لم تنته بعد، عن الكشف عن حقائق جديدة، منها أن وزارة الخارجية الأميركية كانت قد تلقت من بعثتها الدبلوماسية في ليبيا، طلبات بإرسال المزيد من الموارد لدعم تأمينها، وهو ما رفضته الوزارة بوضوح، بحجة أن السياسة المتبعة في ليبيا تقوم على "تدريب الليبيين على القيام بمهمة الأمن"، وهي السياسة المتبعة في تأمين كل البعثات الدبلوماسية الأمريكية حول العالم. وهو ما أثار انتقادات واسعة، نظرا للفارق بين الوضع الاستثنائي في ليبيا وبين دول أخرى حول العالم.

وقد كشفت جلسات الاستماع عن هوة واسعة بين الأطراف داخل الإدارة بهذا الشأن، فبينما عبرت مسؤولة وزارة الخارجية عن رفضها تقديم الدعم الأمني للأسباب سالفة الذكر، فقد شهد المسؤول الأمريكي الأول عن التأمين في ليبيا، بأن محادثاته في واشنطن مع المسؤولين لطلب الدعم، جعلته على قناعة بأنه لن يحصل على أية موارد إضافية للتأمين "إلا بعد أن يقع حادث" مروع.

ولأن الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب هي التي تدير جلسات الاستماع، وهي التي اتهمت إدارة أوباما بالتقصير في إمداد البعثة الدبلوماسية بالتأمين الذي تحتاجه، فقد اتهم الأعضاء الديمقراطيون مجلس النواب نفسه بأنه المسؤول عما جرى، لأنه بقيادة الجمهوريين قام بتخفيض الميزانية المخصصة لتأمين السفارات بمئات الملايين من الدولارات.

وقد كشفت جلسات الاستماع أيضا عن الوجود المكثف لوكالة المخابرات المركزية في بنغازي، الأمر الذي طرح المزيد من الأسئلة حول فشل إدارة أوباما في معرفة ما جرى بالضبط ومن وراءه منذ اللحظة الأولى.

وقد دافع نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن عن موقف الإدارة، قائلا إنها أعلنت لحظة وقوع الأحداث تقديرات المخابرات وقتها، والتي أفادت بأن المسألة مرتبطة بالفيديو المسيء للإسلام، ثم عادت وأعلنت ما قالته المخابرات لاحقا، بعد المزيد من التقصي، من أن الأمر كان مدبرا ولا علاقة له بالتظاهرات.

وهو ما كان أوباما بنفسه قد ذكره في حديث لمحطة إيه بي سي الأمريكية. لكن الإدارة لا تزال متهمة عبر حملة منظمة تقودها مؤسسة هيريتيج، وهي من كبرى مراكز الفكر اليمينية، بأنها سعت منذ البداية لتضليل الرأي العام وإخفاء المعلومات الصحيحة.

غير أن القضية تذهب في الواقع إلى ما هو أبعد من مجرد الاتهام بالتقصير الأمني أو تضليل الرأي العام، إذ أن هناك ضغوطا يمارسها اليمين الأمريكي على أوباما، بضرورة التجهيز فورا لرد انتقامي "لئلا يعتبر الأعداء ذلك ضعفا"، وبعضهم يصل إلى حد المطالبة برد انتقامي على غرار ما فعله بوش بعد أحداث سبتمبر بغزو أفغانستان. بل أكثر من ذلك، فإن ما حدث في ليبيا جعل خصوم أوباما يشككون في سياسته الخارجية تجاه العالم العربي ككل، وبالذات الموقف من الثورات العربية.

فبعض هؤلاء يعتبرون أن أوباما لم يدعم النظم السلطوية بالقدر الكافي، الأمر الذي أسفر عن صعود تيار الإسلام السياسي المعادي للمصالح الأميركية. وللأمانة فإن اليمين الأميريكي منقسم بشأن تلك القضية، إذ توجد في داخله رموز فضلت الإطاحة بالنظم السلطوية ثم العمل مع القوى المناصرة للمصالح الأميركية، ضد الإسلام السياسي.

كل ذلك معناه أن الأسابيع القليلة القادمة سوف تجيب عن سؤالين على جانب كبير من الأهمية، أحدهما يتعلق بأوباما والآخر يتعلق بليبيا. ففيما يتعلق بمستقبل أوباما السياسي، فالسؤال هو ما إذا كانت التحقيقات بشأن ما جرى في ليبيا ستسفر عما يمثل الكارثة التي تنفجر في وجه أوباما، فتقضي على فرص إعادة انتخابه؟ أما في ما يتعلق بليبيا فالسؤال هو ما إذا كان الكشف عن المزيد من الحقائق سيضع أوباما في مأزق يسعى للخروج منه قبل إجراء الانتخابات في نوفمبر، عبر القيام بما يمثل الرد الانتقامي داخل ليبيا، الذي يطالب به خصومه؟!