في الفترة ما بين 11- 14 أيلول/ سبتمبر 2012، أتيحت لي الفرصة للمشاركة في الملتقى الرابع لروابط الصداقة الصينية - العربية، الذي عقد في مدينة ينتشوان، في منطقة نينغشيا ذاتية الحكم لقومية هوي المسلمة، وقامت بتنظيمه جمعية الصداقة للشعب الصيني مع شعوب العالم، بالتعاون مع جمعية الصداقة الصينية - العربية، وبالتنسيق مع جامعة الدول العربية، ورابطة جمعيات الصداقة العربية الصينية، ومنظمات الصداقة مع الصين في الدول العربية.
حضر الملتقى أكثر من ثمانين مندوبا من مختلف أنحاء الصين والعالم العربي، وقدمت إليه مقترحات عملية لتعزيز العلاقات بين الجانبين على مختلف الصعد. ونوه المجتمعون بالتطور الاقتصادي بين الصين والدول العربية، والذي تجلى بزيادة حجم التبادل التجاري بأكثر من ثلاثين مليار دولار، من 2010 إلى 2011، مما يستوجب دعم العلاقات الثقافية والأكاديمية لكي تواكب هذا التطور الاقتصادي المتنامي بسرعة.
لفتت الروابط العربية انتباه المسؤولين الصينيين، إلى أن الانتفاضات الشبابية التي اجتاحت العالم العربي عام 2011، أكدت أن الشعوب العربية ترفض التدخل الخارجي بكل أشكاله، ولن تقبل بتغيير الهوية العربية لهذه المنطقة أو دمجها في هويات أخرى، لتبرير الهيمنة الأميركية والإسرائيلية عليها في إطار مشروع الشرق الأوسط الجديد.
وتعمل الجمعيات والروابط العربية ـ الصينية، على توسيع دائرة التعاون المثمر بين مؤسسات المجتمع المدني في الصين والدول العربية. وتم التوافق في الملتقى على برنامج عمل شمولي لعامي 2013 -2014، في إطار توحيد الجهود المشتركة، والاستفادة من العلاقات المتميزة بين الجانبين، لإطلاق تنمية اقتصادية وثقافية مستدامة، وبناء عولمة أكثر إنسانية.
فقد تبنت الصين استراتيجية جديدة للتنمية الثقافية، في وثيقة رسمية صدرت بتاريخ 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2011، وتضمنت رؤية تنموية واضحة لإطلاق نهضة ثقافية شاملة، عبر إصلاح النظام الثقافي في جميع جوانبه وتنمية الثقافة الصينية، من خلال منظومة متكاملة من الخدمات لتشجيع الصناعة الثقافية التي تقدم دعما كبيرا للاقتصاد الوطني، وتوسيع دائرة التبادل الثقافي بوجوهه الإبداعية المتنوعة، مع الدول الأجنبية ومنها الدول العربية، والاستفادة المتبادلة من الخبرات المكتسبة لدى المؤسسات الثقافية العالمية، لتطوير الثقافتين العربية والصينية. وهي تقدم فرصة ثمينة للجانب العربي، لوضع استراتيجية عربية مماثلة تفضي إلى نشر المنجزات الثقافية العربية في الصين، وتعزيز الإعلام الثقافي، وتطوير الخدمات الثقافية المتبادلة بين الجانبين.
وأظهر الجانبان رغبة صادقة لتطوير التعاون الثقافي، ونقل الحوار العربي - الصيني إلى منابر الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية، وتشجيع ترجمة ونشر روائع الثقافتين العربية والصينية، مباشرة من مصادرهما الأصلية.
وقد تم توقيع الكثير من الاتفاقيات الثقافية بين العرب والصينيين في السنوات الخمس الماضية، وتبادل الوفود الثقافية والفنية وتزايد عدد الطلاب، فالعلاقات الثقافية بين الجانبين هي اليوم أفضل بما لا يقاس عما كانت عليه سابقا. وتبلورت مشاريع ثقافية لتنفيذ خطط مدروسة، تعزز الروابط الأكاديمية والفنية والتربوية بين الشعبين. وأسست الندوات الثقافية المشتركة أرضية صالحة لتطوير العلاقات الثنائية بين الصين والعالم العربي، على أسس جديدة تتلاءم مع طبيعة عصر العولمة.
لقد باتت الظروف الموضوعية مؤاتية لتطوير العلاقات الثقافية بين العرب والصينيين، لتحقيق مشروع ثقافي متكامل من التعاون المشترك، وتعزيز دور الإعلام الثقافي، وتطوير الخدمات الثقافية المتبادلة، وتأسيس المجلس الأعلى للتبادل الثقافي وتطوير العلاقات الثقافية على أسس علمية، وتفعيل دور منتدى التعاون الصيني - العربي، لإقامة شراكة حقيقية بين الصين والعالم العربي، ونشر الثقافة العربية في مناهج الجامعات الصينية، والثقافة الصينية في الجامعات العربية، والاستفادة من ثورات التقنيات الرقمية وشبكات الانترنت لتعزيز التواصل، وتنشيط السياحة والوفود السياحية.
وتعزيز دور البعثات الطلابية والشبابية والنسائية لدى الجانبين، وتنشيط معاهد كونفوشيوس الصينية المنتشرة في أكثر من دولة عربية، لتلعب دروا أكبر في تدريس اللغة والثقافة والفنون الصينية، وتبادل الوفود الثقافية والفرق الفنية والموسيقية، وتشجيع الحوار بين الجيل الجديد من الشباب العربي والصيني، والاستفادة من قدامى الخبراء والباحثين والسفراء الصينيين والعرب، لتعريف العرب والصينيين على قضاياهم المشتركة.
ولعل أبرز المقترحات العملية التي قدمت إلى الملتقى، هي التالية:
1- إقامة معهد كبير باسم "معهد العالم العربي في بكين" على غرار "معهد العالم العربي في باريس"، بمشاركة سخية من جميع الدول العربية القادرة على إنجاز هذا المعهد الحضاري، لكي يساهم بفاعلية كبيرة في تعزيز العلاقات الثقافية بين الصين وجميع الدول العربية.
على أن يقدم المعهد للشعب الصيني نموذجا راقيا حول فن العمارة العربية، وتديره نخبة متميزة من المثقفين العرب والمستعربين الصينيين، وأن يضم مكتبة غنية جدا لجمع أكثر ما يمكن من الإنتاج الثقافي العربي، القديم والمعاصر. وأن يتمتع بإدارة شفافة ذات كفاءة عالية لتنظيم مؤتمرات وندوات وأسابيع ثقافية وفنية على مدار السنة، وبالتعاون مع وزارات الثقافة والمراكز الثقافية والإعلامية في العالم العربي.
2- إنشاء "المؤسسة العربية الصينية المشتركة للترجمة"، لترجمة ونشر المصادر الأساسية للثقافتين العربية والصينية، تضع في رأس أهدافها إطلاق مشاريع طويلة الأمد لترجمة وطباعة ونشر كنوز الثقافتين، الكلاسيكية والمعاصرة على السواء.
فالترجمة العلمية الدقيقة وسيلة هامة لنشر الثقافة المعمقة، وإعداد أجيال متعاقبة من المترجمين العرب والصينيين، لنشر السمات الأساسية المتميزة لكلتا الحضارتين.
3- تأسيس "المركز المالي الصيني العربي" لدعم وتمويل جميع النشاطات المشتركة بين الصين والعالم العربي، على أن يتم تمويله من جانب الحكومة الصينية والحكومات العربية، ومن رسم مالي بنسبة مئوية بسيطة، يفرض على جميع العقود الاقتصادية والمالية والتجارية التي توقع بين الشركات والبنوك والمؤسسات التجارية العربية والصينية.
ختاما، تطورت العلاقات الثقافية بين الصين والعالم العربي في السنوات العشر الأخيرة بصورة تدعو إلى التفاؤل بالمستقبل، وبعد أن أصبحت الصين في المراتب الأولى اقتصاديا في جميع الدول العربية، لا بد من تعزيز التعاون الثقافي بين الجانبين على ركائز علمية ومعرفية صلبة.