التقاعد هو نهاية المشوار المهني للموظف، وهو في واقع الأمر المحطة التي يستريح فيها المحارب، ربما لكي يبدأ دورة حياتية جديدة. والتقاعد أنواع؛ فهناك التقاعد عند نهاية سنوات الخدمة، والتقاعد الإجباري، بمعنى الإحالة إلى التقاعد والتقاعد المبكر. وكما تختلف أنواعه تختلف كذلك أسبابه ودوافعه، لدى الرجال والنساء على حد سواء.

وعلى الرغم من تنوع أسبابه ودوافعه إلا أنه في مجتمعنا يبدو أن وراء كل تقاعد قضية مجتمعية مؤثرة، ليس من بينها وصول الموظف إلى نهاية سنوات خدمته، أو حاجته الماسة للراحة بعد رحلة مهنية طويلة. فالمعروف بشكل عام أن المواطنين يتقاعدون مبكرا، وبعضهم بشكل مفاجئ، الأمر الذي يخلف آثارا سلبية على مجتمعنا وعلى اقتصادنا، وعلى قضية التوطين بشكل عام. هذه الآثار ذات تبعات مؤثرة وقوية، خاصة وأننا مجتمع يعاني أصلا من قضية خلل واضح، ليس فقط في سوق العمل.

ولكن في التركيبة السكانية. فنحن بحاجة إلى كل يد عاملة مؤهلة، حيث إن أعداد العمالة الأجنبية تطغى على المواطنة، سواء في سوق العمل أو في المجتمع, وقضية التوطين تسير بشكل بطيء، وفي بعض المجالات لا تسير على الإطلاق إلا بحوافز. لذا يأتي التقاعد المبكر للمواطن المؤهل، ليزيد الطين بلة ويضعنا في وضع لا نحسد عليه.

وعلى الرغم من أن دولة الإمارات تدرك أهمية تنمية الموارد البشرية، وتبذل قصارى جهدها لرعاية الفرد تعليميا ومهنيا عبر توفير كل سبل الرعاية له، بدءا من مجانية التعليم في كل مراحله الأساسية والمتقدمة والعالية، ثم العمل على إيجاد فرص العمل والتأهيل والتدريب اللازم، وخلق كل فرص التحفيز من جوائز ومكافآت وفرص للترقي والتقدم، إلا أن حالات التقاعد، خاصة المبكر والمفاجئ، تعد كبيرة.

كما أن الاستغراب يكون كبيرا عندما نسمع عن مواطن مؤهل ويمتلك الخبرة العالية ولم يبلغ بعد سن التقاعد، ولكنه يفكر فيه باستمرار، ليس رغبة في الانتقال إلى مجال عمل جديد، ولكن لأنه وبكل بساطة سئم العمل وضاق بالعراقيل الكثيرة التي يجدها في وجهه حتى لم يعد قادرا على تحملها، فيأتي التقاعد كخيار لا بديل له.

كثيرة هي أمثال هذه الحالات، وكثير هو قلقنا على مصير سوق العمل والتركيبة السكانية وقضية التوطين، من حيث ترابط هذه القضايا بعضها ببعض. فكل مواطن مؤهل وعامل، هو إضافة إلى اقتصادنا وإنجاز كبير لعملية التوطين، وإضافة نوعية لسوق العمل، وتعديل بسيط للتركيبة المختلة. لذا فعندما يأتي تقاعد المواطن مبكرا، لا يتبقى لنا سوى أمل ضعيف في حل المشاكل الأخرى المرتبطة بهذا الوضع.

العراقيل والتحديات التي غالبا ما يشتكي منها المواطن، واحدة وتتكرر في كثير من ميادين ومجالات العمل المختلفة، مخلفة نوعا من الإحباط. بعض من هذه العراقيل مصطنع والبعض الآخر حقيقي، ولا يمكن إنكارها أو التغاضي عنها. فكثير من حالات الإحباط التي نجدها، خاصة بين الأشخاص المؤهلين تأهيلا عاليا وأصحاب الخبرة الطويلة, تأتي من عدم التقدير الإداري والمالي الذي يجب أن يلاقيه ذلك الشخص.

فكثير من الأشخاص يشتكون من ضعف العوائد المالية مقارنة بغيرهم من نفس الرتبة أو أقل، كما تتكرر الشكوى من ضعف التقدير الإداري، خاصة مقارنة بمن هم في رتبتهم من أجانب وغربيين. وهنا تصبح الشكوى مرة والإحباط كبيرا، الأمر الذي يدفع الشخص إلى الهروب من ذلك الواقع واختيار التقاعد كحل سهل.

سوء الإدارة، وعدم وجود استراتيجية للاستغلال الأمثل للموارد البشرية المتوفرة، وسوء التوزيع، عادة ما تكون من أسباب الاستقالات وحالات التقاعد المبكر. فالرئيس المباشر أو المدير عادة ما يكون سببا من أسباب حالات الإحباط الناشئة, وعندما يجتمع سوء الإدارة مع عدم التقدير للجهد المبذول، تكون الشرارة الرئيسة التي غالبا ما تخلف حالة من الإحباط الشديد، تدفع الشخص إلى الرغبة في ترك العمل والهروب من ذلك الواقع.

دافع آخر مهم ومحير، يدفع الكثير من المواطنين المؤهلين إلى التقاعد. فعلى الرغم من أن كثيرا من الوظائف تتطلب شرط الخبرة، إلا أن الشكوى مرة وكبيرة بين المواطنين المؤهلين، من أنه يتم تخطيهم لصالح شباب لا يملكون الخبرة ولا الموهبة. هذا الوضع يخلق لدى الموظف القديم حالة من الإحباط الشديد. فعندما يجد الشخص المؤهل أنه تم تخطيه لصالح من هو, في اعتقاده, أقل منه خبرة ودراية بظروف العمل وحيثياته، تحدث لديه حالة من الضيق والتبرم والإحباط تؤدي إلى طريق واحد لا ثاني له، ألا وهو التقاعد المبكر.

دافع آخر يعد سببا حقيقيا لتقاعد الكثير من المواطنين، ألا وهو حالات التخبط الإداري والمؤسساتي. فنظرة واحدة إلى ثقافتنا الإدارية تجعلنا ندرك وبسهولة ما هي دوافع ذلك التقاعد. فالتغيرات الإدارية، بدءا من تغير الوزير أو المدير إلى تغير الرئيس المباشر في العمل، تؤدي إلى خلخلة الوضع الإداري القائم بأكمله، الأمر الذي يحدث فوضى إدارية.

علاوة على ذلك، فمن ارتبط بالمسؤول السابق لم يعد مرغوبا فيه، ومن كان له دور مهم في الإدارة السابقة أصبح مهمشا. هذه الثقافة الإدارية - الاجتماعية، هي سبب رئيسي لشيوع حالات الإحباط والملل في أجواء العمل.

الأسباب كثيرة والدوافع متعددة، بعضها يمكن تلافيه والبعض الآخر مرتبط بثقافتنا الاجتماعية والمؤسساتية. ولكن إعادة النظر في بعض الأوضاع الإدارية، وتصحيح ثقافتنا الاجتماعية، ومحاولة إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، كلها حلول تؤدي ليس فقط إلى تفادي التفكير في التقاعد المبكر، بل أيضا إلى إصلاح سوق العمل وتعديل التركيبة السكانية والاستفادة المثلى من جميع الموارد البشرية المتوفرة.