بالتوازي مع الغضبة الإسلامية ضد السلوكيات المسيئة للنبي محمد (عليه الصلاة والسلام) من بعض السفهاء الغربيين، تصاعد تياران أوروبيان متضادان في الاتجاه، إزاء كيفية التعامل مع الإسلام والمسلمين داخل الرحاب الأوروبية.
فهناك من انحاز إلى جهالات المسيئين وراح يشجعهم بالقول والفعل، بزعم حرية الرأي والفكر، مشيحاً عن مبدأ أن حرية فرد أو جماعة تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين.. وأن ازدراء الأديان ورموزها يتعارض حتماً وحرية الاعتقاد.
ولم يلحظ هؤلاء المتنطعون أنهم أسبغوا قداسة على بعض الوقائع التاريخية، كحديث "المحرقة اليهودية"، إلى درجة إخراجها من حيز جدل الرأي والرأي الآخر، وتعريض من يشكك فيها تلقائياً للتجريم والإدانة، في حين أنهم يلقون بقميص حرية الرأي والتعبير في وجه مستنكري التسافل والتواقح، على مقام نبي يؤمن به وبرسالته ربع البشر في هذا الكون.
وهناك من أعرض عن هذا المنحى المنحط، ليس لانطوائه فقط على انتهاك لبعض سنن ومبادئ الحضارة المدنية الأوروبية (الغربية)، وإنما أيضا لأن العداء الذي يكنه أصحاب هذا المنحى الفاجر، ربما ارتد على استقرار المجتمعات الأوروبية ذاتها، باعتبار الإسلام والمسلمين جزءا من بنيانها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي.
ويعتقد هؤلاء الراشدون أن افتعال معركة مع الإسلام والمسلمين ينم عن انعدام الثقة بالذات، والأهم أنه يستحضر عنوة وبلا مبرر، ما يشبه حرب الحضارات؛ التي ألهبتها حناجر الجهلاء المستغلين قديما، ويسعى المتطرفون إلى إيقاد نيرانها راهنا.
القصد أن الأوروبيين منقسمون على أنفسهم بشأن تقدير عواقب وقائع الإساءة وتوابعها. لنتأمل، مثلًا، كيف شهد المجتمع الفرنسي دعوتين متعاكستين في يوم واحد، هو الثامن والعشرون من سبتمبر الماضي.. الأولى لمنظمة الشباب القومي، بزعامة ألكسندر جارياك، التي قررت تنظيم تظاهرة في باريس تحت شعار "اطردوا المسلمين خارج أوروبا". والثانية لوزير الداخلية الفرنسي مانويل فانس، يؤيد فيها تخفيف شروط الحصول على الجنسية الفرنسية، الأمر الذي سيشمل بالضرورة عددا غفيرا من المسلمين الذين أقاموا هناك لفترات معينة، باعتبار ذلك "مصدر قوة للجمهورية الفرنسية..".
المثير أن هذه الدعوة الأخيرة تواكبت مع كلمة للمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل أمام أعضاء الحزب الديمقراطي المسيحي (المحافظ)، قالت فيها حرفيا إن "الإسلام بات جزءا من ألمانيا ولا بد من التسامح تجاه المسلمين..".
رب مجادل بأن انقسام الأوروبيين عموما، بين المقبلين على محاورة المسلمين بالتي هي أحسن وبين الكارهين لذلك، حقيقة قديمة قدم الصدام بين أوروبا المسيحية والشرق العربي الإسلامي.. وأنه في ذروة عهد الاستعمار الأوروبي لبلاد العرب والمسلمين، كان في أوروبا من يدافعون عن دور الأخيرين في الرقي بالقيم الإنسانية، ويشيد بفضلهم على الحضارة الغربية.
هذه نقطة نظام صحيحة، لكن ثنائية التطرف والاعتدال في أوروبا، تدور اليوم في بيئة اجتماعية ثقافية اقتصادية مختلفة؛ لا سابقة لظلالها على مدار مراحل التعامل مع الإسلام والمسلمين. وتقديرنا أن المستشارة ميركل وضعت يدها على العصب العاري في هذه البيئة.. فالمسلمون لم يعودوا آخرين تماما؛ يجري معهم العداء أو الود عن بعد.. إنهم جزء أصيل من معطيات البيت الأوروبي القاري من الداخل. وهذه حقيقة تبدو مبشرة لجهة احتمال انتصار عقلاء القارة على متعصبيها، لأن نبذ هذا الجزء لا بد أن يصيب الجسد الأوروبي بالعوار، غير أن هذا المشهد يثير حفيظة المتطرفين ويستفزهم إلى أقصى الحدود.
نود القول بأن تجذر الوجود الإسلامي وانتشاره في الشعاب الأوروبية، أضحى قضية لا مراء فيها. بل ولنا أن نذهب إلى أنه لا غنى للأوروبيين عن هذا الوجود، مهما كابر بعضهم أو أخذته العزة بالإثم. فالقارة تواجه نقصا كبيرا في الشريحة العمرية اللازمة لاستمرار دولاب التطور الاقتصادي. ويتجلى هذا النقص إلى درك العجز، بالنسبة لقطاعات بعينها، كالاستثمارات العقارية وشق الطرق وبناء الجسور وأعمال الزراعة والنقل وبعض الحرف الشاقة.
أوروبا تشهد الآن زيادة سكانية ضعيفة، لا ترقى إلى معدل 7.1% سنويا، المطلوب لزاماً لصيانة االمشوار الاقتصادي الحضاري الذي قطعته القارة خلال القرون الخمسة الأخيرة. وليس مثل الجاليات الإسلامية المقيمة فيها شرعياً والمهاجرة إليها خلسة، من يسعه سد هذه الثغرة. ندفع بذلك وفي الخاطر أن الإسلام والمسلمين هما الجوار الجغرافي الملاصق لهذه القارة، والأكثر تفاعلا حضاريا معها تاريخيا، بالإيجاب والسلب.
والظاهر أن هذا "الاحتمال التاريخي الزاحف"، يقلق المتطرفين الأوروبيين دينياً وإثنياً ويقض مضاجعهم.. لكنهم أعجز من أن يتصدوا له. والأرجح أنه كلما زاد استشعارهم لهذا العجز، كثفوا من محاولاتهم لتوسيع الصدوع بين مجتمعاتهم الأوروبية الأم من ناحية، وبين الإسلام والمسلمين داخل هذه المجتمعات وخارجها، من ناحية أخرى.