ردود الأفعال بعد المناظرة الأولى بين مرشحي الرئاسة الأميركية، أوباما ورومني، نموذج ممتاز لما نسميه في الدراسات الأميركية بمنطق «سباق الخيل».
وهو تعبير أطلقه الباحثون على الطريقة التي يستخدمها الإعلام الأميركي لتغطية الانتخابات الرئاسية، وتضر ضرراً بالغاً بالديمقراطية الأميركية نفسها. فهي تركز على «السباق» أكثر من مضمونه، وعلى شخصية المرشح أكثر من برنامجه الانتخابي.
فلأنه يسعى للربح، ومن ثم يعمد للإثارة، فإن الإعلام الأميركي لا يعطي الاهتمام الكافي لتفاصيل القضايا المهمة التي تطرح وتناقش خلال الحملة، وإنما يستفيض في التركيز على خريطة الانتخابات، وكأنها سباق خيل: من الذي يحتل الصدارة؟.. أي المتنافسين يعاني حالياً من كبوة؟.. من الذي يبدو وكأن لا أمل في تقدمه؟.
من يبدو متقدماً عن الآخرين؟.. من يمكنه اللحاق بالركب؟ وهكذا.. وحتى عندما يتناول الإعلام القضايا المهمة، فإنه يعرضها وفق منطق سباق الخيل نفسه، أي من الذين سيكسبهم المرشح بطرحه لتلك القضية ومن سيخسرهم؟ وما إذا كان طرحها سيخصم من فرصه أو يدعمها.. وهكذا.
ومن هنا، فإن أغلب ما يحصل عليه الناخب من معلومات يكون عن «السباق» نفسه، لا عما يقدمه المرشح من مقترحات بشأن القضايا الجوهرية، ناهيك عن تحليل تلك المقترحات. وفي حملة عام 2000 مثلاً، أثبتت الدراسات أن 71 % من التغطية الإعلامية كانت عن «السباق» لا عن القضايا، وهي نسبة مذهلة تحرم الناخب من المعلومات التي يحتاجها للتصويت.
فهي من ناحية تصرف الأنظار عن القضايا المهمة، فلا تصبح في بؤرة اهتمام الناخب عند اتخاذ قراره. ومن ناحية أخرى، تعني تجاهل العشرات من القضايا المهمة طوال الحملة، بقرار من المرشحين والإعلام على حساب الناخب، وتكون نتيجة هذا وذاك شخصنة الانتخابات.
فالإعلام يركز على «شخصية» المرشح وأسلوبه وسلوكه الشخصي، أكثر مما يركز على برنامجه الانتخابي، ويقدم للناخب، بانتظام، سيلاً من المعلومات عن هفوات المرشح وسقطاته، ويبحث بلا كلل في سجله السياسي وحياته الشخصية عما هو مثير.
وما نقرأه ونسمعه اليوم منذ انعقاد المناظرة الأولى بين أوباما ورومني، نموذج ممتاز لمنطق «سباق الخيل». فالتعليق الذي هيمن على الإعلام الأميركي كله، المرئي والمسموع والإلكتروني، كان أن «ميت رومني هو الفائز» في المناظرة، وأن باراك أوباما لاقى هزيمة مدوية في «السباق».
بل إنك إذا نظرت للأسباب التي ساقها الإعلام الأميركي لتبرير إعلانه فوز رومني، ستجدها كلها تتعلق بأسلوب كل مرشح على المنصة، لا مضمون ما قاله.
فمن بين ما قاله الإعلام الأميركي، نصاً، هو أن رومني «كان يقف معتدلاً ينظر إلى أوباما وهو يتكلم»، وكان «مهاجماً» في أغلب الأحيان، و«بدا قوياً وصالحاً لتولي الرئاسة»، بينما كان أوباما «ينظر كثيراً إلى أسفل»، «ولم ينظر لرومني» طوال المناظرة. وأوباما «فوت العشرات من الفرص للهجوم على رومني، حيث اهتم بشرح وجهة نظره أكثر من مهاجمة منافسه»، الأمر الذي جعل أوباما يبدو «كأستاذ جامعة غارق في التفاصيل المعقدة، لا مرشحاً للرئاسة»!
الطريف في الأمر، هو أن من بين الوسائل الإعلامية نفسها التي اعتبرت رومني هو الفائز، من اعترف بأن مواقف الرجل التي اتخذها في المناظرة كانت شيئاً مختلفاً تماماً عن مواقفه المعلنة طوال الحملة.
ولم يتوقف أولئك الإعلاميون لحظة ليسألوا أنفسهم، كيف يمكن أن يقوم مرشح في مناظرة، باختلاق مواقف جديدة غير تلك التي تبناها منذ بدء الحملة، ثم يصبح هو الفائز، بدلاً من أن يكون موضع مساءلة من الإعلام! فرومني منذ بدء حملته الانتخابية، اتخذ مواقف يمينية، وصل ببعضها إلى حد التطرف، من أجل حشد قواعد حزبه وتحفيزها على تأييده، لكنه في المناظرة قدم مواقف لا علاقة لها بالمرة بتلك التي اتخذها منذ بداية الحملة.
فهو بدا أكثر وسطية واعتدالاً، ونفى أنه تحدث عن خفض ضريبي أصلاً، بل نفى أنه سيخفض الضرائب بالنسبة للأثرياء تحديداً، وهو أيضاً أعلن تأييده لقيام الدولة بدور تنظيمى للاقتصاد.. وكل ذلك بالضبط، عكس ما قاله طوال الحملة منذ بدايتها!
لكن الأخطر من ذلك، هو أن منطق سباق الخيل منع الاهتمام بجوانب أكثر أهمية بدت واضحة في المناظرة.
فلعل أهم ما لفت انتباهي في المناظرة لم يكن ما اختلفا بشأنه، وإنما حجم الاتفاق بينهما، والذي يحد من خيارات الناخب بالقطع! ففضلاً عما بدا من اتفاق بين السطور بشأن قضايا عدة، فإن أوباما أشار بنفسه أكثر من مرة إلى مواطن اتفاق بينه وبين رومني، من دعم المشروعات الصغيرة، وتخفيض الضريبة على الشركات العملاقة، إلى مزيد من إنتاج الطاقة أميركياً.
لكن حجم الاتفاق الذي تم التعبير عنه صراحة أو ضمناً، أقل بكثير من حجم الاتفاق الذي لم يشر إليه أصلاً، من زيادة ميزانية الدفاع، وتأثيرها في الوضع الاقتصادي الداخلي، إلى دعم كليهما للتجسس على المواطنين الأميركيين، الذي بدأ في عهد بوش، واستمر في عهد أوباما.
لكن، لعل المسكوت عنه في المناظرة من قضايا، كان ذا دلالة أهم مما تم طرحه. فالفقر الذي يعاني منه واحد من كل خمسة أطفال في أميركا ويزداد اتساع نطاقه، ليس من الموضوعات التي تناقش في المناظرات.
فهو موضوع ممل بالنسبة للإعلام، وليس على أجندة المرشحَين. وأنت كثيراً ما تسمع من مرشحي الرئاسة الأميركية حديثاً عن الطبقة الوسطى، لكن قضية الفقر، مثلها مثل قضية العنف الاجتماعي والعنصرية، من القضايا المسكوت عنها عادة في الانتخابات.. وهي ستظل كذلك طالما ظل الإعلام الأميركي يغطي الانتخابات الأميركية بمنطق «سباق الخيل».