في الثاني من أكتوبر 2012 اختتمت في ليما، عاصمة البيرو، أعمال القمة الثالثة للدول العربية مع دول أميركا الجنوبية. حضر القمة عشرة رؤساء من أميركا الجنوبية وأربعة من قادة العرب، وأناب الآخرون ممثلين عنهم.

وعلى هامش القمة عقد المؤتمر الثالث لرجال الأعمال، بحضور أكثر من أربعمائة من الجانبين. تناولت جلسات المؤتمر أربعة محاور أساسية في إطار تعميق الروابط بين الجانبين، وناقشت موضوعات حيوية تهم مستقبل شعوب العالم كله في المرحلة الراهنة. لذلك حظيت القمة باهتمام بالغ في وسائل إعلام أميركا اللاتينية، لأنها تناولت أربع قضايا بالغة الأهمية: تطوير البنى الأساسية، وحماية الأمن الغذائي، والاستفادة من الطاقة النظيفة والمتجددة، وعدم استنزاف الموارد الطبيعية.

منذ البداية، طرحت علامات استفهام كبيرة حول جدية الجانب العربي في حضور قمة دولية هم بأمس الحاجة إليها. فأميركا الجنوبية تضم اليوم دولاً فاعلة، كالبرازيل، تتسابق الدول العظمى للتعاون معها، بعد أن أثبت قادتها خبرة رائدة في إدارة السياسة والاقتصاد، وباتت البرازيل في طليعة الدول النامية الكبرى وتشارك في إدارة الاقتصاد العالمي بفاعلية.

وقمة ليما الأخيرة هي الثالثة لدول أميركا الجنوبية مع الدول العربية، وقد شارك فيها ممثلون لاثنتين وثلاثين دولة عربية وأميركية. وتزامنا مع القمة عقد لقاء لرجال الأعمال قدمت فيه أبحاث هامة، هدفها تطوير العلاقات التجارية بين مجموعتين كبيرتين من الدول تضمان قرابة 770 مليون نسمة. وقد شهدت العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية ودول أميركا اللاتينية، نقلة نوعية في السنوات القليلة الماضية.

وتضم أميركا الجنوبية جاليات عربية كبيرة منتشرة في جميع دولها، ويمكن الاستفادة منها لتعزيز العلاقات مع الدول العربية على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. وتجمع بين سكان هاتين المنطقتين من العالم روابط قوية، ولديهم تاريخ مشترك بفضل المجموعات العربية الكبيرة المنتشرة في دول أميركا الجنوبية، والتي تشكل اليوم جزءا هاما وأصيلا من النسيج الاجتماعي لتلك الدول، وتشارك بفاعلية كبيرة في نشاطاتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

صدر عن القمة الثالثة "إعلان ليما"، الذي دعا إلى إيجاد حلول سلمية وليست عسكرية للنزاعات العالمية، وإلى تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي بين دول أميركا الجنوبية والدول العربية. وتضمن البيان الختامي نقاطا عدة، أبرز ما جاء فيها على المستوى العربي:

1- التنويه بتأييد دول أميركا الجنوبية للقضايا العربية العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين. علما أن تلك الدول كانت من أوائل الدول التي اعترفت بدولة فلسطين، ودعمت طلبها للانضمام إلى الأمم المتحدة.

2- تشجيع التعاون بين البرلمانات في دول اميركا الجنوبية والدول العربية، وإنشاء شبكة علاقات تعاون بين المعاهد البحثية لدى الجانبين.

3- تبنت القمة دعوة الدول العربية إلى جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية، على غرار ما قامت به دول أميركا الجنوبية، مع الاحتفاظ بحق تلك الدول في الاستفادة من الطاقة النووية للأغراض السلمية.

4- تعزيز التعاون بين الجانبين في المجال السياسي، والتنسيق بين مواقفهما في المحافل الدولية من أجل الدفاع عن مصالحهم، وتطوير التعاون الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والعلمي والتقني في ما بينهم، والعمل على تنمية العلاقات المشتركة والتنسيق والتعاون على مختلف الصعد، خاصة في مجال الثقافة والتعليم والبيئة، وعدم التركيز فقط على التبادل التجاري والتعاون الاقتصادي.

5- التوقيع على اتفاق التعاون بين الدول العربية ودول أميركا الجنوبية لمكافحة التصحر، وتبني الاقتراح المقدم من لبنان لتأسيس مصرف للاستثمار، وتحويل مجموعة التنسيق التنفيذية إلى أمانة عامة يكون مقرها في لبنان.

جاءت مقررات وتوصيات قمة ليما بالاستناد إلى تاريخ حافل بالمواقف الإيجابية، التي أعلنتها دول أميركا الجنوبية دفاعا عن قضايا العرب العادلة. وهي توصيات تدعو إلى التفاؤل، خاصة بعد أن انتظم انعقاد القمة بين العرب وأميركا الجنوبية.

لذلك أعطت القمة الثالثة دعما إضافيا كبيرا، يساهم في تعزيز العلاقات المشتركة بين هاتين المجموعتين على مختلف الصعد، ويمكن الاستفادة منها في إقامة تكتل سياسي واقتصادي، على غرار تجمع دول "بريكس" الذي يضم البرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب إفريقيا، وهو تجمع اقتصادي فاعل للخروج من دائرة الهيمنة الأميركية والأوروبية على الاقتصاد العالمي، ويلعب دورا متزايد في النظام العالمي الجديد وفي السياسة الدولية.

وتمتلك المجموعة العربية المتعاونة مع مجموعة دول أميركا الجنوبية طاقات شعبية كبيرة، ولديها موارد طبيعية هي الأكثر غنى على المستوى الكوني. لكن شعوبها تصنف في خانة الشعوب التي تعيش حالة من البؤس، والفقر، والجهل، والبطالة، والتصحر. ويشكل انعقاد القمم الثلاث بصورة منتظمة، مدعاة للتفاؤل بمستقبل مشرق لشعوب هاتين المجموعتين، في حال تمت الاستفتادة التامة من الإمكانات الاقتصادية الهائلة التي تمتلكها المجموعتان.

ختاماً، إن التعاون الجدي بين المجموعتين، وتنفيذ توصيات قمة ليما والقمتين السابقتين في البرازيل والدوحة، يعزز مكانتهما على الصعيد الدولي، ويمكنهما من النهوض بشعوبهما من التخلف المريع إلى مصاف الدول النامية المتطورة، ويعطيهما دورا فاعلا على المستوى الكوني في حل مشكلات الطاقة، والغذاء، والتصحر، والبيئة، والتنمية البشرية والاقتصادية المستدامة، مما يساعد على تعزيز العلاقات بين المجموعتين العربية والأميركية الجنوبية على الجانب التجاري والمالي والاقتصادي، ويساهم في تطور الأوضاع المعيشية والإنمائية لشعوب المجموعتين، ويعزز مكانتهما السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي.

وعلى غرار القمم الكثيرة التي يعقدها قادة العرب، داخل الوطن العربي ومع دول آسيوية، وإفريقية، وأميركية، وأوروبية، فإن غياب الاستراتيجية العربية الجامعة يحد من موجة التفاؤل بتنفيذ توصياتها. كما أن عدم الجدية في المشاركة الفاعلة في تلك القمم على مستوى غالبية الملوك والرؤساء العرب، والخلافات المستحكمة في ما بينهم، يدفع المحللين السياسيين، في الدول العربية ودول أميركا الجنوبية، إلى التحفظ الشديد حول رغبة قادة العرب وقدرتهم على تنفيذ توصيات أي قمة يعقدونها في المرحلة الراهنة.