لم تأخذ السياسية الخارجية لفرنسا حيّزاً كبيراً في الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية خلال الربيع الماضي، ولم يعبر المرشح فرانسوا هولاند بشيء تقريباً حول هذا الموضوع، رغم أهميته. ومنذ اللحظة التي تمّ فيها انتخابه رئيساً، وجد نفسه في خضمّ العلاقات الدولية التي تشكل أحد الميادين الرئيسة لرئيس الجمهورية في فرنسا.
لكن مواعيده الدولية الأولى أثناء قمّة الحلف الأطلسي في شيكاغو، أو بمناسبة إدارة الأزمة الأوروبية، لم تسمح بالتعرّف إلى عقيدة فرانسوا هولاند في ميدان السياسة الخارجية، وكان على المراقبين أن ينتظروا حتى انعقاد مؤتمر السفراء للتعرّف إلى ذلك بدقّة أكبر.
هذا المؤتمر أرسى تقليده آلان جوبيه منذ 20 عاماً، بحيث يتم جمع سفراء فرنسا في العالم في نهاية شهر أغسطس، لعدّة أيام في باريس، لتبادل الآراء والتنسيق. كما يشكل المؤتمر فرصة لرئيس الجمهورية، كي يعرض رؤيته للعالم، وللدور الذي ينبغي لفرنسا أن تلعبه فيه، وأيضاً لرسم خريطة طريق للدبلوماسية الفرنسية.
وبالنسبة لخطاب الافتتاح الذي ألقاه الرئيس هولاند، من الصعب التعرّف إلى محاور واضحة فيه. وقد أعطى الانطباع بأن الأمر يتعلّق بتوجيهات لا تميّز حقيقة الملفات ذات الأولوية. لقد كان خطابا «عادياً»، كما وصفته الرئاسة نفسها، إذ لم يحتوِ على تصريحات صارخة، أو على وعود حول إعادة صياغة النظام الدولي، التي ينبغي أن تكون فرنسا محرّكاً لها، كما كان يفعل نيكولا ساركوزي دون أن يطبّق ذلك على الأرض. وقد أعاد هولاند تأكيد بعض المبادئ المفيدة، التي من الصعب الاختلاف معها.
لقد أكّد ضرورة إعادة إقامة علاقات وثيقة مع البلدان الصاعدة، مثل الصين والهند وروسيا والبرازيل. إنه هدف طموح، لكنه ضروري، نظراً للتدهور الحقيقي للعلاقات مع هذه البلدان، كنتيجة لمبادرات ومواقف ساركوزي حيالها خلال السنوات الخمس الأخيرة من رئاسته. كذلك، ذكّر هولاند بأولوية الأمم المتحدة، وأن فرنسا لن تشارك في عمليات حفظ السلام، أو حماية المدنيين دون موافقة الأمم المتحدة.
هذا التدقيق بالقول قد يبدو واضحاً، لكنه يأتي في وقت تريد فيه بعض القوى تجاوز قرار مجلس الأمن الدولي للتدخّل في سوريا. حول هذا الملف الذي وصفه فرانسوا هولاند بأنه أحد التحديين المطروحين على فرنسا (الملف الأول يخص أزمة الاتحاد الأوروبي). وكذلك أعاد تأكيد ضرورة تنحي بشار الأسد عن السلطة، إذ ليس من الممكن الوصول إلى حل سياسي بوجوده، كما أعلن تأييده لحكومة سورية مؤقّتة من المعارضة.
وأن فرنسا ستعترف بها مباشرة، إذا ضمّت مختلف فصائل هذه المعارضة. مثل هذه التصريحات لا تغيّر في الواقع الشيء الكثير في موازين القوى على الأرض، وربما كان من المرغوب أن يقوم الرئيس هولاند بمبادرات سياسية ودبلوماسية أكثر جرأة وأكثر واقعية.
وحول ملفين إقليميين آخرين، بدت الصيغ التي استخدمها الرئيس هولاند إشكالية. ففي ما يتعلّق بالملف النووي الإيراني، بدت تصريحاته وكأنها تعطي الشرعية مقدّماً لمخططات اعتداء عسكري يحضّرها نتنياهو وإيهود باراك، وإذا كانت مخاوف إسرائيل «مشروعة»، فإن «ردود الأفعال الوقائية» هي أيضاً مشروعة. وهذا يعني بوضوح أن فرنسا تقبل مقدماً تدخلاً عسكرياً إسرائيلياً ضد إيران، وهذا يشكّل خطأ خطيراً وموضوعاً مقلقاً بالنسبة للتوازن الإقليمي.
بنفس الطريقة، لا يمكن سوى الإحساس بالقلق حول مضمون خطاب فرانسوا هولاند بخصوص الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي. لقد تحدّث عن حقوق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، لكنه لم يتحدّث صراحة عن المسألة الملحّة الخاصّة بدولة فلسطينية، وأكثر من ذلك «نصح السلطات الإسرائيلية باستئناف طريق المفاوضات، منذ أن يتخلّى الفلسطينيون عن بعض مطالبهم المسبقة».
إن المرء يعتقد أنه في حلم.. فذلك يعني أن الفلسطينيين هم الذين يعطّلون استئناف المفاوضات! كما لم يتفوّه هولاند بكلمة حول الاستيطان الدائم للأراضي الفلسطينية، والذي يشكل مسألة مركزية في السياق الراهن. وبهذا الشكل، نجح الرئيس الفرنسي الجديد، في أن يكون أقلّ دقّة من نيكولا ساركوزي، الذي يقدّم نفسه كصديق لإسرائيل.
ما تقدّم من خطاب هولاند لا يدعو للاطمئنان.. فمن جهة، لم يتضمّن تأمّلاً جامعاً وعميقاً لمكانة فرنسا في العالم الذي يعاني من التفكك، ومن جهة أخرى، يثير القلق أكثر، كون أن هذا يندرج في نهج سياسي غربي، ويؤدي حول عدّة ملفات للانحياز لمواقف واشنطن وتل أبيب. وإذا تأكّد هذا الخط السياسي خلال الشهور القادمة، فقد يشكّل نفياً جديداً للخصوصية الفرنسية على المسرح الاستراتيجي الدولي.