في إحدى القاعات الدراسية وفي محاضرة للطلاب، إذا بشابين يافعين يطل من عينيهما وهج النجابة، وتظهر من سلوكهما سرعة الاستجابة والذكاء الذي لا تخطئه عين، يستأذنان في الدخول، قلت لهما: ما الأمر؟ هل تريدان حضور المحاضرة؟ أجابا: لا، ولكننا نريد أن نوزع الكتب الدراسية على الطلبة الراغبين في ذلك. ولأنها المرة الأولى التي أصادفهما، قلت لهما: هل أنتما تعملان في الجامعة؟ قال أولهما: أنا طالب في كلية الهندسة، وقال الآخر: وأنا طالب في كلية إدارة الأعمال، تتيح لنا الجامعة في بداية كل فصل دراسي فرصة الاشتراك في تقديم بعض الخدمات لزملائنا، مقابل مكافأة تعيننا على استكمال دراستنا.

وإذ بي ـ برد فعل عفوي ـ أطلب من جميع الطلاب الحضور أن يحيوا زميليهما اللذين يقومان بهذا العمل، ولم يخجلا من أداء تلك المهمة أمام نظرائهم وأقرانهم، وهما المنتسبان إلى كليات متميزة، فضجت القاعة بالتصفيق، وبدأ زملاؤهما في القاعة يساعدونهما في أخذ الكتب، والابتسامة تعلو وجوههم. وأردفت مخاطبا الطلبة الحضور، مؤكدا أنني على يقين أن هذين الطالبين سيكون لهما شأن كبير في دنيا الناس.

فبعد أن يتم الأول دراسته في كلية الهندسة سيكون من اللامعين في تخصصه، ولن أتعجب يوماً أن أرى الآخر مديرا لمؤسسة تجارية كبرى، أو مديرا نابها لأحد البنوك، بعد استكمال دراسته في كلية الإدارة؛ لأن البدايات الصحيحة تؤدي قطعا إلى نتائج مبهجة ومفرحة، وهذه سنة الله في كونه، إنه سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا. واستوقفني بعض من الإضاءات التي أطلت من هذا المشهد الصغير في دقائقه التي لم تتجاوز العشر، والكبير إلى أبعد مدى في معناه ورسالته.

توقفت عند مهمة الجامعة حين لا يتوقف دورها، ولا ينبغي له أن يتوقف، عند تلقين طلبتها الدروس العلمية في قاعات الدرس، بل يتجاوز ذلك إلى غرس القيم النبيلة في نفوس أبنائها حتى يشتد العود ويقوى الظهر، وهذا هو المعنى الحقيقي لكلمة "جامعة"؛ إنها كلّ متكامل، ثم أن تلم إدارة الجامعة بالظروف الصعبة لبعض الطلبة.

وتفتح لهم طاقة أمل لاستكمال دراستهم، وإشعارهم بأنهم يكسبون دراهم ـ ولو قليلة ـ من عرق جبينهم، لهو درس آخر في كتاب حياتهم الذي لم تزل صفحاته بيضاء، ولكن الصفحة الأولى منه تنمّ عن مسيرة خير وبركة.

وما علمته يقينا، أن الجامعة في أحيان كثيرة، حين تعطي منحة دراسية للنابهين من أبناء الأقطار العربية المختلفة، لا تكتفي بذلك وحسب، بل تهيئ لبعضهم أحيانا وظيفة تتناسب مع طبيعة دراسته؛ لتعينه على أعباء المعيشة، دون أن تريق ماء وجهه عند سؤال الناس. وأنا على يقين أن من استعانت بهم الجامعة في هذه المهمة الصغيرة، التي من الممكن أن يؤديها العديد من أبسط العاملين في الجامعة ـ وهم كثر ـ سيكون لهم شأن بين زملائهم، وستستعين بهم الجامعة أيضا، ولكن للتدريس لزملائهم كمعيدين، فضلا عن إعطاء درس ماثل أمام الجميع في التربية بالقدوة، وهو من أكثر أشكال التربية تأثيرا.

ورجعت بي الذاكرة يوم كنت أتحسس الخطى في سنواتي الدراسية الأولى، عندما كنت أساعد والدي في تجارته، ويأتي الزبائن وهم يرونني؛ عينا على المتجر، وعينا على الكتاب، وألمح في أعينهم المحبة والتقدير.

وهذه القيمة التي تأصلت جذورها في صدورنا، هي التي صنعت منّا رجالا يوم أن التحقنا بالجامعة، وصاحبتنا يوم أن ابتعثنا لتحصيل العلم والمعرفة في الجامعات الغربية، على ما في ذلك من مشقة الغربة، ولأننا تربينا على أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تقاس برصيده البنكي، ولكن القيمة الحقيقية بمقدار ما يقوم به من عمل يستحق به احترام الناس وتقديرهم، تغلبنا على آلام الغربة ومشقة الدراسة.

إن قيمة العمل أحيت أمما من موات، أليست هي التي أنتجت تلك المعجزة الكورية؟ وهو ما جعل متوسط ساعات الإنتاج الحقيقي في كوريا، يزيد على ثمان وخمسين ساعة في الأسبوع ـ على حد ما ذكره لي أحد الأصدقاء المقيمين في كوريا ـ في حين يأتي متوسط إنتاج الموظف في بعض الدول العربية، حسبما أعلنته إحصائياتهم الرسمية، يصل إلى سبع وعشرين دقيقة في اليوم.

ولم أتعجب من ذلك؛ فالمتابع للمضمون الشائع في الإعلام العربي، يجده يكرس بين شبابنا ثقافة ضربة الحظ، حين نغرقهم في برامج المسابقات التي تختزل أحلامهم في اتصال "تليفوني"، أو كوبون عبر شراء سلعة يحل الكثير من مشاكلهم.. حتى البرامج التي تقدم المواهب الشابة، صارت معلقة بالاتصال "التليفوني"، لا بمقاييس محددة تضمن لأصحاب التميز بلوغ النجاح، فضلا عما يزيد على ثلاثمئة قناة تلفزيونية للترفيه والتسلية!

ولا أدري هل نحن بحاجة إلى هذا البحر الهادر من الترفيه؟ أم أننا بحاجة إلى كثير من الهمة التي تجعلنا قادرين على بناء أوطاننا، خاصة وأننا ما زلنا أمة تبحث لنفسها عن مكانة تليق بتاريخها وقدرها بين البشر؟

إنني أتوقف حين أجد شابا يريد أن يحيا حياة رغدة، دون أن يوضح ما هو العمل الذي سيؤديه ليحصل على تلك الحياة! فضلا عن ذلك، فإن قيمة العمل الحقيقية ليست في تأديته وحسب دون روح أو همة، لكن تمامه يأتي من إتقانه وتأديته على الوجه الأكمل، وأن الله سبحانه وتعالى يحب العبد المحترف، والله تعالى يقول: «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره». هذه هي سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تحويلا.

إن الإساءة التي حدثت من بعض الجهلاء في الغرب، أزعجتنا وقضت مضاجعنا، ولكن منّا من يسيء كذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم؛ حين يتراخى في عمله أو لا يتقنه، أو لا يسعى للتخصص في علوم برع فيها غيرنا. وعندي أن الرد البليغ على الإساءة للرسول صلّى الله عليه وسلّم والذود عن حوضه لن يكون بالصراخ وحسب، ولكن حين نقدم الطبيب البارع، والمهندس الألمعي، والمفكر الفذ.. وعندما نكون قبلة لتحصيل العلم كما كنا، هذا هو الرد الصحيح. إن تعظيم قيمة العمل بين أبنائنا هو الخلاص لأمتنا؛ لأنه لا حياة دون عمل، فالعمل قيمة تحيي أمما.