الأمن الاجتماعي وحمايته قضية جوهرية تتعلق بها معظم قضايانا المصيرية الأخرى، لذا تهيمن هذه القضية على عقول وقلوب صناع القرار منذ قيام الاتحاد وحتى هذه اللحظة. فجهود الدولة في إيجاد حل للتركيبة السكانية ومبادرات صندوق الزواج والمبادرات الأمنية والمجتمعية الأخرى جميعها تتمحور حول الأمن الاجتماعي وضرورة حمايته وإيجاد الأطر المناسبة لدائرة أمنية- اجتماعية تبدو حدودها في اتساع يوما بعد يوم دون بوادر واضحة على تهميشها أو حتى حصرها.
الثغرات كثيرة وكلما سدت ثغرة ظهرت أخرى، وكل ثغرة تفتح ثغرات أخرى جديدة ويظل مجتمعنا يدور في دائرة من الصعب الخروج منها. قضية الزواج المختلط، الزواج بأجنبيات أو أجانب، لا زالت دوافعها الرئيسة تحتاج الي دراسات معمقة لمعرفة أسباب ودوافع تلك الزيجات. فعلى الرغم من مبادرات صندوق الزواج وحملاته التوعوية الكثيرة التي أطلقت لتشجيع الزواج بين المواطنين وبعضهم البعض.
وعلى الرغم من حملات التوعية الكثيرة إلا أن القضية لا زالت في تفاقم وكما يبدو فإن حلها لن يكون أبدا بسيطا أو سهلاً. فكما هو واضح من تطور الأمور في مجتمعنا فإن زواج المواطن بوافدة وزواج المواطنة بوافد سوف يظل خيارا يلجأ له الكثيرون ولأسباب عديدة ليس جلها اقتصاديا، بل الكثير منها اجتماعي وحضاري وثقافي.
وعلى الرغم من أن الكثيرين لا يزالون يرجعون أسباب الزواج من الخارج الى عوامل اقتصادية الا أن الدراسات العلمية والواقع المعيش أثبتا أن العوامل الاقتصادية ليست مؤثرة كثيرا. فهناك عوامل اجتماعية وثقافية وحضارية .
بالاضافة بالطبع الى المزاج العام والرغبات الشخصية هي الدافع الحقيقي وراء الزواج المختلط. وعلى الرغم من التوعية بأن للزواج المختلط، خاصة ذلك التي تختلف فيه البيئة الثقافية والاجتماعية اختلافا جذريا عن بيئة الإمارات، قد يخلف إفرازات سلبية عديدة خاصة بما يختص بالاطفال والهوية الثقافية إلا أن الزواج المختلط يظل يفرض نفسه في الكثير من الأحيان كخيار لا بديل له .
كنا في الطائرة التي على وشك الاقلاع من بلد أجنبي الى الإمارات، ونظرة واحدة على مواطني الدولة ومن برفقتهم من زوجات وأطفال تحدثنا عن قضية رئيسية عانت وسوف تعاني منها الإمارات لفترة طويلة قادمة ألا وهي قضية الزواج بأجنبيات، كما أن نظرة واحدة على أعمار الأطفال تدلنا على عمر تلك القضية وربما أكبر.
الزواج المختلط، على الرغم من أنه ليس مجرّماً إلا أنه يظل ثغرة من الثغرات التي تهدد الأمن الاجتماعي والهوية الثقافية والاستقرار النفسي والاجتماعي. نروي هنا قصة أحد الاشخاص الذين ارتبطوا بامراة أجنبية على الرغم من أنه كان يعرف مسبقا بأن لهذا الزواج تبعات سلبية كثيرة، وربما تلعب المصلحة المادية دورا كبيرا.
وربما كانت هي الدافع وراء ارتباط تلك المرأة به، ولكنه أصر على إتمام ذلك الزواج. وفي غضون أشهر قليلة اتضح له أن المصلحة المادية هي فعلاً الدافع وراء ذلك الزواج ولكن بعد فوات الأوان، وبعد أن أثمر هذا الارتباط عن طفل بريء. وقع الطلاق بعد أقل من سنتين، ولكن بعد أن خسر ذلك الشاب معظم ثروته في مشاريع كثيرة دخل فيها إرضاء لزوجته التي غادرت الى بلدها محملة بما خف وزنه وغلا ثمنه ومن بينها طفله.
هذه هي خلاصة تجربة مكررة يمر بها الرجل الخليجي عامة في كل يوم، وعلى الرغم من ذلك لا يأخذها كعبرة ولا يستفيد من دروسها الكثيرة. البعض يعزو دافع الرجل الخليجي بالتحديد الى ضعفه تجاه الجنس الآخر باعتباره كان يعيش في مجتمع منغلق وهناك حدود مفروضة علي التواصل بين الجنسين.
لذا نرى غالبا ما يتجه الرجل الخليجي الراغب في الزواج الى الدول التى عرفت بالانفتاح وعدم وجود قيود قوية على الاختلاط بين الجنسين. الرغبة في العيش بطريقة مختلفة والاختلاط بثقافات أخرى وترك ما تعود عليه من قيم وثقافة محلية محدودة الاطر وعادات وتقاليد يعتبرها البعض، خاصة الشباب، قديمة وبالية، هي في الواقع ما يدفع الكثير من شبابنا الى الزواج المختلط. فمن وجهة نظر الكثير من الشباب أصبحت الثقافة المحلية محدودة وضيقة الأفق وهو ليس مجبرا على التقيد بها. هذا ما يدفعه الى الرغبة في الانطلاق بعيدا عن القيود المحلية والنظر الى الخارج .
الزواج المختلط لم يعد قضية تخص الرجل فقط، فالمرأة المواطنة أيضا أقدمت عليه نتيجة ظروف وأوضاع اجتماعية معينة. فهي مجبرة في بعض الأحيان على النظر الى الخارج، إما بحكم تضييق القيود الاجتماعية الثقيلة المفروضة عليها، وإما بسبب تأخرها في الزواج أو أحيانا كثيرة بسبب عوامل حضارية وثقافية كثيرة، منها نظرة الرجل الخليجي عموما الى المرأة العاملة أو المؤهلة تأهيلاً عالياً.
وهكذا يمتد الزواج المختلط ليشمل الذكور والاناث معا مخلفا آثارا كثيرة على المجتمع، منها ليس فقط قضية الامن الاجتماعي، بل وهوية هذا المجتمع الثقافية والحضارية ولغته وربما دينه. ومن صلب هذه القضية تبرز قضايا مجتمعية أخرى منها على سبيل المثال لا الحصر قضية أبناء الدولة في الخارج وقضية أبناء المواطنات في الداخل وقضية الانتماء واللغة وفقدان الهوية الوطنية وتخلخل القيم الاجتماعية وقضايا أخرى كثيرة لا مجال هنا لحصرها جميعا.
إن قضية الامن الاجتماعي هي قضية رئيسة ولا غرو إن اعتبرها البعض أمّ القضايا . فتوفير الأمن الاجتماعي مسألة مهمة لتطور مجتمعنا بشكل آمن وسلس ودون أي تبعات سلبية. لذا فالعمل على توفير هذا الأمن يجب ألا يترك بيد الفرد وحده ورغباته الشخصية بل في وضع الضوابط والإجراءات التي تمنع تفاقم هذه القضية الى درجة تهدد أمننا الاجتماعي بأكمله. فحماية هذا الأمن مسؤولية رسمية وشعبية معا حتى نحمي مجتمعنا من أخطار كثيرة محدقة به.