حين غادر الرئيس العراقي جلال الطالباني لبدء رحلته العلاجية في ألمانيا في إبريل المنصرم، كانت الأزمة السياسية في أوجها، وحين عاد مؤخرا لم يتغير شيء، فالأزمة باقية وكأنها على موعد معه. أكمل الرئيس رحلة علاج دامت أربعة شهور، وغفت الأزمة هذه المدة ضاربة عرض الحائط بمعاناة العراقيين.. شفي الرئيس من بعض علله، ولم يشف العراق من أي من العلل التي يشكو منها.

لم يعد موضوع حجب الثقة عن رئيس الوزراء مطروحا، بل لم تعد مساءلته في المجلس النيابي هي الأخرى واردة، وعاد الحديث عن الإصلاح، وعن الاجتماع الوطني الذي دعا إليه الرئيس قبل سفره، إثر تفاقم الأزمة التي بدأت بلقاء أربيل ثم النجف ثم أربيل ثانية، بين رئيس إقليم كردستان وزعيم ائتلاف "العراقية" وزعيم التيار الصدري.

تداولت وسائل الإعلام أخبارا كثيرة عن ورقة للإصلاح تقوم بإعدادها لجنة من التحالف الوطني الحاكم برئاسة الجعفري، إلا أن الجهات ذات الصلة بالموضوع، وبعضها ضمن التحالف نفسه، ما برحت تنفي وجود ورقة كهذه. فما الجديد الذي سيطرح في الاجتماع الوطني؟ وأي من هذا الجديد سيحظى بالقبول ليمرر بالتوافق؟

مفهوم الإصلاحات لا يعني إجراء تعديلات في البنية الدستورية تتطلبها المرحلة الراهنة، وإنما يعني تكريس ما هو قائم بصيغة جديدة، أي إعادة توزيع المصالح والنفوذ ومساحات المشاركة في صنع القرار، بين الكتل السياسية المشاركة في الحكم.

والحقيقة أنه من المستبعد جدا أن يحصل ذلك، لأنه سيكون على حساب ما يتمتع به رئيس الوزراء من نفوذ وصلاحيات واسعة جدا، وهو مما لا يرضيه ولا يرضي التحالف الوطني الذي ينتمي إليه. فرئيس الوزراء في وضع أقوى من ذي قبل أمام خصومه: البارزاني وعلاوي والصدر، فقد تمكن من إجهاض محاولاتهم لإسقاط حكومته، وتراجع تبعا لذلك زخم الهجمة التي أخافته، على الرغم من أن جذورها لا تزال باقية.

ومع أن الوضع الذي يتمتع به المالكي في الداخل أصبح أقل عرضة للتحدي، إلا أنه من ناحية أخرى أضعف نفسه أمام الولايات المتحدة التي تشترك مع العراق في اتفاقية استراتيجية، من خلال سياساته المثيرة للجدل إزاء الوضع في سوريا، إذ يبدو أن العلاقة مع الإدارة الأميركية قد بدأ ينتابها بعض البرود، إثر الاتهامات لحكومته بوقوفها إلى جانب النظام السوري وغضها الطرف عن شحنات أسلحة تمر عبر الأجواء العراقية.

سقف التوقعات لنتائج الاجتماع الوطني منخفض للغاية، هذا إذا قدر لهذا الاجتماع أن يعقد فعلا، إذ ليس من المتوقع أن تحل المشاكل القائمة، في ضوء ما صنعته سنوات انعدام الثقة بين الكتل السياسية من أجواء تخلو من قيم الديمقراطية، وفي ظل بقاء الأطر التي حكمت العملية السياسية. وإن جرى حلها بين الفرقاء السياسيين، فليس من المتوقع أن ينعكس ذلك على أوضاع الشعب العراقي المتعبة.

ليس من الحكمة أن يتطلع قادة الكتل السياسية التي بدأت تنحاز نحو مقاعد المعارضة، إلى الأشهر المقبلة المتبقية من عمر الحكومة الحالية، والمحكومة بالتوازنات السياسية والعرقية والمذهبية والمناطقية القائمة، بل إن مصلحتهم تكمن في التطلع إلى ما هو أبعد من ذلك، فموعد الانتخابات النيابية لم يعد بعيدا.

فالتهدئة وعقد الصفقات أكثر ضررا لهذه القوى من انتهاج سياسة التصعيد والتمايز والابتعاد عن الواقع الحالي والنأي عن مسبباته. فالفترة القادمة يمكن أن تعتبرها هذه الكتل بمثابة فترة تهيئة وتحشيد انتخابي غير تقليدية في أمدها، وقد لا تتاح لها فرصة كهذه في المستقبل.

وبقدر ما قد تستفيد القوى المعارضة من الفترة القادمة في دفع المالكي وكتلته نحو المزيد من العزلة، فكتلة المالكي هي الأخرى سيتوافر لديها ما يمكن أن يعزز موقعها، عن طريق انتهاج سياسات ممنهجة لإضعاف خصومها. فمن المنتظر أن يطرأ الكثير من التغيير على التوازنات السياسية القائمة.

ومن المتوقع أن تقوم كتلة دولة القانون التي يترأسها المالكي، بما أصبحت تمتلك من أذرع تغلغلت في كل ركن من أركان الدولة العراقية وأجهزتها، بالعمل على إضعاف خصومها، وعلى رأسهم التيار الصدري الذي أصبح حجر عثرة أمام مسيرة هذا التكتل، خاصة وأن هذا التيار لم يعد يتمتع بغطاء إقليمي كما كان الحال سابقا.

من جانب آخر، يعاني التحالف الكردستاني من متاعب داخلية بدأت تطفو على السطح، مما سيضعف من موقفه، إذ لم يعد خافيا أن سياسيين أكرادا من ذوي الخبرة قد بدؤوا ينظرون بقلق إلى التردي المستمر في العلاقات بين أربيل وبغداد، عبر سياسة المواجهة والتصعيد التي انتهجتها رئاسة إقليم كردستان.

كما برزت أمام رئيس الإقليم متاعب أخرى أكثر خطورة على التحالف الكردستاني، مع توجه الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الرئيس طالباني، لطي صفحة الخلافات مع حركة التغيير (غوران) التي يقودها نوشيروان مصطفى، والاتفاق على انتهاج مواقف وسياسات تضعف من دور البارزاني، عبر طرح مقترح تعديل دستور إقليم كردستان ليصبح النظام السياسي فيه برلمانيا وليس رئاسيا، على غرار ما هو معمول به وفق الدستور العراقي. وهذا في الحقيقة تحد صريح لسلطة رئيس الإقليم، ورفض لبقاء تمتعه بالصلاحيات الكبيرة التي خولها له الدستور بحكم كونه رئيسا منتخبا بشكل مباشر من الشعب الكردي.

وغني عن البيان ما لذلك من تأثير على مجمل العلاقات المتشنجة مع بغداد، والتي من المتوقع أن تترجم على أرض الواقع إلى سياسة تهدئة وابتعاد عن التحدي والتصعيد. أما ائتلاف العراقية الذي يترأسه علاوي، فقد بدأ يعاني من الانشقاقات، ولم يعد خطرا يهدد كتلة دولة القانون كما كان الحال عشية الانتخابات النيابية الأخيرة في مارس 2010.

الأزمة السياسية في العراق أصبحت مزمنة، وغياب الحلول لها أصبح هو الآخر مزمنا، ولعل المخرج الوحيد من هذا النفق هو التخلي كليا عن مفهوم الشراكة الوطنية الذي أصاب العملية السياسية بالشلل، وترك المجال لمن يحصل على الأغلبية في المجلس النيابي ليتحمل مسؤولية أدائه، ليُكرَم حين يعمل على الإصلاح أو يُنحى حين يتجه عكس ذلك.