مواقف ميت رومني في السياسة الخارجية، ذات ملامح شبيهة بمواقف إدارة بوش الابن، في كونها خليطا فريدا من الأيديولوجيا والغطرسة. ولا غرابة في ذلك الشبه إذا كان فريق رومني في السياسة الخارجية يهيمن عليه المحافظون الجدد، الذين لعبوا دورا محوريا في إدارة السياسة الخارجية في عهد بوش.

والحقيقة أن موقف رومني من القضية الفلسطينية تحديدا، يعبر عن ذلك الخليط الفريد. فرومني بكل فجاجة، اختار أن يفسر فارق التقدم الاقتصادي بين إسرائيل والأراضي المحتلة، تفسيرا عنصريا، حيث رأى أن السبب هو تفوق الثقافة الإسرائيلية على ثقافة الفلسطينيين.

 وتلك المقولة لا يمكن أن تكون إلا أيديولوجيا بحتة، وتكشف عن عنصرية لا علاج لها، وهي تعبر في الوقت ذاته عن غطرسة مقيتة. "فالتقدم" الذي يقصده رومني، لا يتأثر على الإطلاق باحتلال استيطاني يسرق الأرض، ويحرم البشر من أبسط حقوقهم في العيش الكريم والعمل والتنقل.

لكن تلك مقولات قديمة نسبيا قالها رومني منذ شهور، إلا أنه زاد عليها مقولات أخرى ذات إبداع خاص، من حيث اللامنطق الذي تعبر عنه، ومن حيث تجسيدها لثنائي الأيديولوجيا والغطرسة. وهي مقولات جاءت في شريط الفيديو الفضيحة الذي أثار ضجة كبرى حين نشرته مجلة "ماذر جونز" اليسارية، لأن مقولات رومني المسجلة بالصوت والصورة في جلسة مغلقة مع مموليه، حطت من شأن 47% من الأميركيين اعتبرهم رومني عالة على الحكومة، ويعطون أصواتهم للديمقراطيين ولا يهمونه أصلا!

لكن الشريط نفسه تضمن مقولات لرومني، عبرت بوضوح عن قناعته بأن الفلسطينيين "لا يريدون على الإطلاق إقامة سلام". ثم استطرد رومني متحدثا عما أسماه "القضايا الشائكة" في حالة استقلال الفلسطينيين بالضفة الغربية، وهي كلها شائكة بالنسبة لإسرائيل.

فهو شرح المسافة بين تل أبيب والضفة بأنها تسعة أميال فقط، "والإيرانيون لا بد سيرغبون في جلب سلاح إلى الضفة وتهديد إسرائيل، وإسرائيل لا يمكنها قبول ذلك، والفلسطينيون سيقولون نحن دولة مستقلة لا يجوز لإسرائيل أن تراقب حدودنا ..". وكأن ما قاله يمثل دليلا ماحقا على عدم رغبة الفلسطينيين في السلام، ربط رومني تلك المبررات مرة أخرى بالفلسطينيين، قائلا "إنني أنظر إلى الفلسطينيين الذين لا يريدون السلام ويريدون تدمير إسرائيل، وإلى هذه القضايا الشائكة فأقول مستحيل (إيجاد حل).

لذلك الأفضل أن تأمل في أن يظل الوضع مستقرا (لاحظ مستقرا هذه)، وتدرك أن القضية ستظل بلا حل. ورومني قال إنه ممزق بين هذه الرؤية وما قاله له وزير خارجية أميركي سابق من أن الحل ممكن، وأضاف "لكنني أرفض فكرة الضغط على الإسرائيليين، فتلك أسوأ فكرة في العالم".

لكن كل ما قاله الرجل في كفة، وما اعتبره خلاصة القول في كفة أخرى. فرومني يقول نصا "إذن، الحل الوحيد هو أن تظهر قوتك. مرة أخرى القوة الأميركية، والحزم الأميركي، إلى أن يأتي ذلك اليوم الذي يطلب فيه الفلسطينيون السلام".

والحقيقة، عزيزي القارئ، أن مستوى ذكائي لا يسعفني لفهم المنطق الذي يحكم العلاقة المرتبكة بين العبارات التي قالها رومني. لكن أي شخص يمتلك ذكاء محدودا، يستطيع أن يفهم من كل ما تقدم أن رومني يرى ببساطة أن الحل هو استمرار الوضع القائم، أي استمرار الاحتلال وقهر الفلسطينيين إلى أجل غير مسمى، وهو ما يستحيل حدوثه دون "القوة" الأميركية" كما ذكر، والدعم الكامل للاحتلال.

والحقيقة أن أفكار رومني بشأن فلسطين، لا تنفصل عن باقي مواقفه من القضايا الخارجية. فهي كلها تقوم على الأيديولوجيا وعسكرة السياسة الخارجية. فهو على سبيل المثال، ينتقد أوباما لأنه يرفض تسليح المعارضة السورية، والتي هي شكل من أشكال التدخل العسكري، ويعتبر أن الإدارة الحالية فشلت في الاستعداد للخيار العسكري ضد إيران.

وهو المنطق الأيديولوجي نفسه الذي تبنته إدارة بوش الابن، والذي يعتبر أن "القوة العسكرية الأميركية"، وليس الدبلوماسية، لها الأولوية عند حل المشكلات الدولية. بل إن رؤيته حتى للمعونات الاقتصادية لبلاده، تحمل قدرا من الأيديولوجيا، فهو يشترط عند تقديمها أن تلتزم الدولة المستفيدة برفع القيود عن الاستثمار والتجارة الحرة، أي تلتزم بأكثر أشكال الرأسمالية ضررا بالاقتصادات النامية.

غير أن كل تلك المواقف لا تنفصل أيضا عن مواقف رومني الداخلية. فالغطرسة إزاء العالم الخارجي، يقابلها استعلاء طبقي في الداخل لا يعير بالا لما يقرب من نصف الأميركيين، ولغة تلامس العنصرية في الكثير من الأحيان تجاه الأقليات العرقية والإثنية.

اللافت أن رومني حين كان حاكما لواحدة من أكثر الولايات ليبرالية في أميركا، ولاية ماساتشوستس، كانت مواقفه أكثر اعتدالا بكثير من المواقف التي يعبر عنها اليوم، الأمر الذي يعني أن التحول في مواقفه هو نتاج للتحول الخطير الذي حدث للحزب الجمهوري خلال العقدين الأخيرين، والذي صار على أي مرشح للرئاسة الاستجابة له حتى يفوز. فالحزب ظل ينحرف بشكل مطرد نحو اليمين، إلى درجة صار فيها يعبر أكثر فأكثر عن أقلية من الأميركيين. فهو استعدى المرأة والأقليات، إلى جانب الفقراء والشباب، عبر مواقفه وسياساته.

والسؤال الذي ستجيب عنه الانتخابات القادمة، سواء فاز رومني أو لم يفز بالرئاسة، هو ما إذا كان الحزب الجمهوري يمكنه بمواقفه الحالية الصمود كحزب، أم أنه سيظل يدفع بنفسه مزيدا نحو اليمين على نحو يؤدي لتهميشه، حتى ينفرط عقده أو يتلاشى من على الساحة بالمطلق؟