في بادرة هي الأكثر تكاملا وفاعلية في تاريخ القمم الروحية في لبنان، وبدعوة من البطريرك الماروني بشاره بطرس الراعي، عقدت في 24 أيلول/ سبتمبر 2012 في مركز البطريركية المارونية في بكركي، قمة موسعة جدا لزعماء الطوائف الروحية في لبنان. شارك في القمة ممثلون عن الغالبية الساحقة من الطوائف الروحية، تجاوز عددهم الخمسة والثلاثين مندوبا؛ من دينيين وممثلين لمنظمات الحوار بين الأديان والطوائف في لبنان.

وفي بيان ختامي هام، أعرب المجتمعون عن ارتياحهم للزيارة التاريخية التي قام بها البابا بينيديكتوس السادس عشر إلى لبنان، في الفترة ما بين 14 و16 أيلول 2012، وما رافقها من تصريحات إيجابية أعلت من شأن لبنان كبلد آمنٍ ومنفتح على جميع الثقافات والأديان.

وأطلق البابا من لبنان دعوة إلى سلام شامل، يعم جميع دول الشرق الأوسط. لم تقتصر أعمال القمة الروحية على مناقشة موجبات الحوار ما بين العائلات الروحية في لبنان، بل تعدتها إلى رسم خارطة طريق لمعالجة قضايا سياسية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية متنوعة، تطال مستقبل لبنان واللبنانيين.

ونوهت بأصالة العلاقات التاريخية العميقة بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط، وبأهمية النموذج اللبناني باعتباره الأكثر نضجا في التعبير عن عمق التعاون المسيحي ـ الاسلامي، على مختلف الصعد وفي مختلف الحقب.

وأكدت القمة الروحية على أن تاريخ لبنان لم يشهد عداوة بين المسلمين والمسيحيين، بل إن إسرائيل وحدها هي عدوة للجميع، وأن النظام اللبناني بني بصورة دائمة على مبدأ الشراكة بين جميع طوائفه. وطالب المجتمعون بإنشاء صندوق مالي مشترك لدعم المحتاجين من كل الطوائف اللبنانية، ودعم المشاريع الإنمائية، وإصدار تشريعات دولية تحمي الرموز الدينية.

وأكدوا على أصالة وعمق العلاقات التاريخية بين المسلمين والمسيحيين في الشرق الأوسط، وحرصوا على حماية النموذج اللبناني للتعايش والتعاون بين المسيحيين والمسلمين في جميع المجالات. وحثّوا المواطنين اللبنانيين، من جميع الطوائف على التمسك بأرضهم، والتصدي لموجة الهجرة التي تفقد لبنان خيرة أبنائه وقواه الحية.

ودعوا قادة النظام السياسي إلى القيام باصلاحات جذرية، عن طريق الحوار والتفاهم، والابتعاد عن العنف، واحترام الحريات الدينية، وحقوق الإنسان، ومبدأ المساواة في المواطنة كأساس للعيش المشترك.

وأعربوا عن تأييدهم لنداء الهيئات الاقتصادية والصناعية التي حذرت من الأخطار المحدقة بلبنان، ودعوا الدولة إلى اتخاذ إجراءات سريعة لتلافي الانهيار الاقتصادي. وشددوا على أهمية الاستقرار كشرط أساسي للنمو الاقتصادي، وطالبوا السياسيين بإزالة التشنجات السياسية والأمنية، وخلق مناخ من الثقة المتبادلة بمستقبل لبنان.

شكلت القمة الروحية منبرا حقيقيا للتلاقي بين اللبنانيين والمساهمة في حل مشكلاتهم، وتجاوزت كل أشكال التفرقة الطائفية والمذهبية. ودعت اللبنانيين إلى تعزيز وحدتهم الداخلية، بصفتها الضامن الأساسي لقيام الدولة العادلة، والعمل على إعلاء شأن لبنان، وطن الرسالة، الذي تأسس على احترام التعددية، والتنوع، والحرية المسؤولة. وذلك يتطلب نشر تلك الرسالة الأخوية على نطاق واسع، وتعميق مفاهيمها في العائلة والمدرسة والمجتمع بين اللبنانيين، ونقلها إلى القيادات الروحية في الدول العربية الشقيقة، والتمسك بالقيم الروحية والأخلاقية التي تحمي وحدة النسيج الوطني اللبناني، وتحصن الهوية الوطنية في لبنان من التصدع. فطريق الحوار والتفاهم هو الأمثل لحماية التعددية والتنوع في المجتمع اللبناني، من جولات العنف المتكرر والحروب الداخلية المتقطعة، التي أضعفت الانتماء الوطني وهددت مرارا العيش المشترك.

وعلى قاعدة ثقافية صلبة وبروح من المسؤولية العالية، أدان المجتمعون فيلم "براءة المسلمين" المسيء إلى الإسلام، وأكدوا على أن انتهاك حرمة أي دين هو انتهاك لحرمة الأديان جميعها. ونددوا بردات الفعل العنيفة التي أوقعت ضحايا بريئة، وأساءت إلى صورة الإسلام في بعض البلدان.

ودعوا الأمم المتحدة، ومجلس الأمن الدولي، وجامعة الدول العربية، وسائر المنظّمات والهيئات المعنية، إلى اتخاذ قرارات تحول دون التعسف في استغلال حرية التعبير، ودون الإساءة إلى الأديان ورموزها المقدسة، نظرا لانعكاساتها السلبية على العلاقات بين العائلات الروحية، وإحداث فتن واسعة تهدد السلم الأهلي على المستوى المحلي، وتهدد السلام العالمي.

وقرروا تشكيل لجنة من القانونيين المتخصصين في القانون الدولي، لصياغة النص الملائم، ودراسة الإجراءات التي تصون الأديان السماوية وعقائدها من الإساءة والتجريح، تحت طائلة الملاحقة القانونية. وعهدوا إلى اللجنة الوطنية المسيحية ـ الإسلامية للحوار في لبنان، بوضع آلية لتنفيذ هذه التوصية ورفعها إلى المرجعيات الروحية مجتمعة. وأكدوا على وحدة الإيمان بالله، والعمل بوصاياه وبالقيم الروحية والأخلاقية في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية. سجلت القمة الروحية في لبنان بادرة إيجابية جدا، هدفها حماية المجتمع اللبناني المفكك من مخاطر الفتن الطائفية والمذهبية.

ووضعوا المسؤولين وقادة الأحزاب والمنظمات السياسية في لبنان، أمام مسؤولياتهم الوطنية لتحصين العيش المشترك، والكف عن استخدام النزاعات الطائفية والمذهبية لأهداف شخصية، خاصة على أبواب معركة انتخابية في ربيع العام 2013، يضع لبنان على طريق الديمقراطية السليمة التي تنقل اللبنانيين من مرتبة الرعايا الملحقين بزعماء الطوائف، إلى مواطنين أحرار ومتساوين في الحقوق والواجبات.

ختاما، وصف بيان القمة الروحية للطوائف اللبنانية، بأنه صمام أمان وخارطة طريق في آن واحد. فقدم للعالم صورة جامعة للمسيحيين والمسلمين في لبنان، في وقت كان يتوقع فيه الكثيرون فتنا طائفية متنقلة بين المسيحيين والمسلمين، وصراعا مدمرا بين الشيعة والسنة في لبنان.

وأثبت هذا الحشد غير المسبوق لرؤساء العائلات الروحية، أن المجتمع اللبناني بات محصنا ضد النزاعات الطائفية والمذهبية، وأن اللبنانيين تعلموا الكثير من دروس تاريخهم القريب، حيث انساقوا إلى حروب طائفية لعبت دورا سلبيا بالغ الخطورة، بعد أن استخدمتها دول إقليمية وخارجية لتفكيك لبنان، في إطار تفكيك منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

وكانت الطائفية على الدوام في خدمة المشروع الصهيوني لإقامة إسرائيل بين الفرات والنيل، وفي خدمة المشروع الأميركي للشرق الأوسط الكبير، الذي يعيد تقسيم المنطقة وفق سايكس- بيكو جديدة، لمصلحة التحالف الأميركي الإسرائيلي دون سواه.

فتحمل رؤساء العائلات الروحية مسؤولياتهم الوطنية بكفاءة عالية، ودعوا لحماية وطنهم وأمن مواطنيهم الاجتماعي والاقتصادي. وعكست القمة الروحية مناخ التفاهم التام بين جميع الطوائف اللبنانية، لضمان أمن لبنان في ظروف إقليمية ودولية بالغة الخطورة.