تداعت معظم أحزاب وتيارات المعارضة السياسية السورية الداخلية لعقد مؤتمر يوم الأحد الماضي تحت شعار (المؤتمر الوطني لإنقاذ سوريا)، شارك فيه ستة عشر حزباً سياسياً وفصيلاً معارضاً، كان أهمها أحزاب هيئة التنسيق الوطني للقوى الوطنية والديمقراطية، إضافة إلى أحزاب أخرى صغيرة رُخصت حديثاً.

دارت الشكوك الشعبية منذ اللحظة الأولى حول جدوى المؤتمر وإمكانياته التأثير في مسار الأزمة السورية، أو تخفيف العنف، أو وضع هذه الأزمة على طريق الحل، وما لبثت هذه الشكوك بل والاتهامات أن تزايدت من قبل الرأي العام والشعب السوري، الذي اعتبر قسم كبير منه أن هذا المؤتمر موحى به من قبل السلطة، وأنه وسيلة لإعطاء مبررات للنظام لتأكيد مزاعمه أنه يريد حواراً مع المعارضة، ويريد حلاً سياسياً، ورداً على هذه الشكوك رفعت اللجنة التحضيرية للمؤتمر سقف مطالبها التي تضمنتها أوراقها المقدمة للمؤتمر قبل انعقاده، وخاصة في وثيقة المبادئ الأساسية.

ومن هذه المطالب (إسقاط النظام بكافة رموزه ومرتكزاته، وضرورة استعادة الجيش دوره الوطني الحقيقي الذي أنشئ من أجله، وانتزاعه من يد السلطة التي أرغمته على لعب دور مناقض، وتحميل النظام مسؤولية أساسية في خلق المناخات الملائمة للتدخلات الأجنبية.

والإصرار على الحل الأمني الذي اضطر الشعب لحمل السلاح)، في الوقت الذي أكدت فيه وثيقة المبادئ الأساسية على نبذ الطائفية والمذهبية وعلى تبني النضال السلمي كاستراتيجية ناجعة لتحقيق أهداف الثورة، ورأت الوثيقة أن عسكرة الثورة تشكل خطراً على المجتمع وعلى الثورة أيضاً.

وقالت إن الجيش الحر هو ظاهرة موضوعية ونتيجة لتصرفات السلطة، وعلى محاولة إرغام الجيش النظامي على القيام بمهمات غير مهامه الأساسية.

كما رأت وثيقة المبادئ أن الحل السياسي الذي يحقق آمال وتطلعات الشعب السوري يجب أن يمر بمرحلتين: الأولى تتمثل بوقف فوري لإطلاق النار، وسحب الجيش بشكل كامل إلى ثكناته، والإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين والمخطوفين، والسماح بالتظاهر السلمي، وفتح الباب للوسائل الإعلامية المحلية والعربية والدولية لممارسة مهماتها، وتقديم الإعانة الإنسانية الفورية للمهجرين والمنكوبين والمحتاجين.

أما المرحلة الثانية التي اقترحتها الوثيقة فتشمل تفاوضاً بين المعارضة وممثلين عن النظام السياسي ممن لم تتلوث أيديهم بالدماء أو الفساد، وتكليف شخصية معارضة تشكيل حكومة وطنية مؤقتة تتولى كافة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية وإعادة هيكلة الجيش وقوات الأمن، وإعادة المهجرين.

ومن الملاحظ أن سقف هذه المطالب هو سقف مرتفع تجمع عليه كافة فصائل المعارضة السورية السياسية والمسلحة، باستثناء أن بعض المعارضة الخارجية والمعارضة المسلحة تضيفان إلى هذه المطالب مطلب تنحية الرئيس بشار الأسد المسبقة.

والملاحظ أيضا أن البيان الختامي الذي صدر عن المؤتمر يختلف كلياً عن هذه المبادئ ويشكل تراجعاً واضحاً عنها، فقد التف البيان الختامي على مطلب إسقاط النظام الذي ورد في المبادئ الأساسية، فأشار إلى أن المؤتمر يقر تطبيق كافة وثائق المعارضة السابقة، وهذا قرار عام غير محدد. كما لم يتعرض البيان الختامي للمعارضة المسلحة (الجيش الحر) وتجاهل هذه المعارضة، التي أصبحت الآن القوة الرئيسية التي تواجه النظام، والتي يعول عليها الشعب السوري في إسقاطه.

خاصة وأنه بات يعتقد أن الحسم هو حسم عسكري وليس سياسياً. ويلاحظ في البيان الختامي كذلك أنه اتخذ موقفاً ملتبساً تجاه أمرين: الأول أنه تجاهل الهيكلية والبنية السياسية للنظام المقبل، ولم يتعرض للمرحلة الانتقالية، كما لم يوصفها أو يحددها، فكأنها بالتالي لم تكن موجودة في المبادئ الأساسية، وهذا يعني أن المؤتمر تراجع كلياً عن مواجهة النظام أو المطالبة بتغييره أو حتى بتطويره.

والأمر الثاني أن المؤتمر أقر المطالبة بمؤتمر دولي يبحث الأزمة السورية، وهذا يعني أنه سيعطي فرصة للنظام لعدة أشهر ريثما ينهي المؤتمر الدولي مناقشاته، التي من غير المتوقع أن تكون حاسمة على أية حال.

يشير عدد كبير من المراقبين أن عقد المؤتمر كان بجزء كبير منه نتيجة ضغط السياسة الروسية التي كانت سعيدة بنتائجه، وكذلك عبرت إيران والصين عن سعادتهما بأن المؤتمر لم يطالب بتنحية الرئيس، ويقول هؤلاء المراقبون إن الدبلوماسية الروسية ستأخذ نتائج المؤتمر وتواجه بها الجمعية العامة للأمم المتحدة التي بدأت أعمالها قبل يومين، كما أنها ستعرض هذه النتائج كذريعة لمنع صدور أي قرار في مجلس الأمن يتعلق بالأزمة السورية. وفي الخلاصة يرى هؤلاء المراقبون أن النظام السوري والسياسة الروسية هما الرابحان الرئيسيان من نتائج هذا المؤتمر.

كان الرأي العام السوري غير مرتاح لعقد المؤتمر قبل انعقاده، وتأكدت شكوكه في جدواه بعد صدور بيانه الختامي، ويبدو أن هيئة التنسيق الوطنية والأحزاب والفصائل المعارضة الداخلية المشاركة كانت أكبر الخاسرين، إذ فقدت ثقة شرائح عديدة من الرأي العام السوري ومن المجتمع السوري.

وقد استغلت المعارضة الخارجية والمعارضة المسلحة تراجع البيان الختامي عن المطالب الكبرى للشعب السوري، لتنتقد هيئة التنسيق، وتؤكد من جديد أن المؤتمر جاء لخدمة السلطة فقط، وأنه مؤتمر لإنقاذ السلطة وليس لإنقاذ سوريا.

هناك بالمقابل مجموعة من المراقبين تعترف بقصور البيان الختامي عن الإشارة إلى المطالب المشروعة للشعب السوري، وتراخيه تجاه السلطة بعد عام ونصف من القتل والدمار والاعتقال والتعذيب، إلا أنها لا تشكك بجدية القائمين على المؤتمر، ولا ترى أنهم تواطأوا مع السلطة على عقده، وإنما تعتقد أن تصرفاتهم هي مجرد حسابات سياسية خاطئة، وقصر نظر سياسي ليس إلا.