المشهد الثقافي العربي بكامل دوله لا يدعو إلى التفاؤل، فأين هو موقع الإبداع في المشهد الثقافي العربي الراهن؟ وما هو دور الثقافة النقدية في تطوير المجتمعات العربية المنتفضة؟ وأين المثقف العربي اليوم من هموم وطنه وأمته في المرحلة الراهنة؟ وكيف ستواجه المؤسسات الثقافية العربية تحديات الثقافة الكونية بعد أن فشلت في احتضان الأجيال الشبابية المنتفضة؟ وكيف تحل معضلة المثقفين العرب الذين تربوا على ثقافات عصر العولمة وأداروا ظهورهم لانتفاضات الربيع العربي بسبب هزال النتائج الإيجابية التي تولدت عنه؟
هو مشهد بائس جداً، نظراً لزيادة نسبة الأمية في غالبية الدول العربية، وتراجع الاهتمام بالكتاب، والمسرح، والفنون، ومختلف أشكال الإبداع. يضاف إلى ذلك غياب واضح لصحافة النقد، مقابل حضور كثيف لثقافة الترفيه، والإخبار، وميل متزايد للتنظير والتعميم والتسطيح في مختلف المجالات. وإذا كان تعدد المراكز الثقافية في أي بلد عربي يعتبر عنصراً مساعداً لنشر الثقافة، فإن المشكلة تبرز بحدة أكبر في زمن الانتفاضات، في حال طغت ثقافة التبرير على ثقافة التغيير الشامل.
لم تواكب غالبية المؤسسات الثقافية العربية الانتفاضات الشبابية، نظراً لترهلها على المستوى العربي العام. وهي تفتقر إلى الحد الأدنى من الديمقراطية والرغبة في التجديد. ولم يعد بمقدورها أن تستعيد بعض فاعليتها على المستوى العربي الشمولي، أو حتى على المستوى الوطني، بعد أن عجزت عن استقطاب النخب النوعية الواعدة لدى الأجيال الشابة من صانعي الانتفاضات العربية الراهنة.
تمر الانتفاضات العربية في مرحلة مخاض صعب جداً، بسبب تنوع القوى في داخلها، وتعدد اتجاهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لكنها بالتأكيد لم تكن صنيعة الغرب، ولا تعادي الغرب بصورة عبثية، ويدرك قادتها أن الغرب ليس واحداً، بل متعدد. وزمن الانتفاضات الراهنة هو زمن الاعتماد المتبادل، وتشابك المصالح الدولية، والشركات العابرة للقوميات والدول والحدود.
فبدأ الشباب العربي المنتفض يأخذ مساراً واضحاً بين عولمة همجية بقيادة أميركية ومساندة أوروبية، وعولمة أكثر إنسانية يرفض دعاتها استخدام القوة لحل النزاعات، أو سيطرة الدول القوية على الدول الضعيفة ونهب مواردها الطبيعية.
وهي تعيش سيرورة تاريخية معقدة، تجبرها على خوض معركة مزدوجة؛ لتصفية الاستبداد الداخلي وفك التبعية مع الخارج في آن واحد. وليس بمقدور الدول التي احتضنت الانتفاضات الشبابية، أن تتمسك بمعاهدات مذلة لم تنفذ إسرائيل غالبية بنودها، ولم تعد الولايات المتحدة وحلفاؤها قادرين على فرض التعامل مع إسرائيل كما كان قبل الانتفاضات.
لقد حسم الشباب العربي المنتفض موقفه من سياسة إسرائيل التوسعية، ويرى أن من أولى واجباته العمل على استعادة فلسطين بكل الوسائل المتاحة. ولن يكون بمقدور الحكومات العربية أن تعطل مسار الانتفاضات الشبابية، أو تبقي قانون الطوارئ مسلطاً فوق رؤوس الشعوب العربية، بعد أن أسقطت الانتفاضات حاجز الخوف من الأنظمة إلى غير رجعة.
وغيرت الانتفاضات الشبابية وجه العالم العربي المستكين في ظل أنظمة تسلطية قمعية، وقدمت نماذج من التعبير الحر، والوعي الديمقراطي، لم تكن معروفة سابقاً لدى الجماهير العربية.
وهي تخوض نضالاً صعباً ومعقداً لإطلاق دينامية جديدة، تساعد على التغيير الشامل على أسس ديمقراطية سليمة، وبناء حداثة سليمة لا تقود إلى التبعية للخارج. وتؤكد الانتفاضات على أن العناصر الإيجابية في الثقافة العربية العقلانية، تشكل قاعدة صلبة لمواجهة سلبيات التبعية والاستلاب.
وغياب الديمقراطية ومعها الحداثة السليمة، يقود حتماً إلى تغييب التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة.
تجدر الإشارة إلى أن الغرب يحتكر الديمقراطية السليمة لنفسه، وتنشر وسائل إعلامه أن الانتفاضات العربية فشلت في تبني الديمقراطية على الطريقة الغربية، وأنها سخرت الانتخابات الشعبية للإبقاء على ركائز السلطة القديمة، وأنها تبنت ثقافة التبرير للاستمرار في النهج السابق.
فليست المشكلة في غياب المقولات النظرية للديمقراطية فحسب، بل في غياب الديمقراطيين العرب على مستوى النظام السياسي والمعارضة معاً. وحين يوجه الغرب تلك الانتقادات الحادة إلى الانتفاضات العربية بسبب فشلها في تبني الديمقراطية الغربية، يتناسى أنه كان وراء المأزق الذي تعيشه تلك الانتفاضات، بسبب مساندته الدائمة لقوى سلطوية تعادي الديمقراطية.
إن مأزق الديمقراطية في الانتفاضات العربية الراهنة، ناجم عن غياب الرؤية الثقافية والممارسة الديمقراطية من جانب القوى السلطوية والمعارضة، مما استدعى الكلام الكثير على الديمقراطية دون ديمقراطيين، وعلى فوضى الحرية مع غياب الديمقراطية على مستوى المؤسسات الحاضنة لها، مما جعل ديمقراطية الانتفاضات حلماً بعيد المنال.
فأعمال الشغب والاحتجاجات العنيفة التي شهدتها شوارع مصر وتونس وليبيا واليمن بعد انتصار انتفاضاتها، أدت إلى سقوط مئات القتلى وآلاف الجرحى، وما زال الاحتكام إلى السلاح يتكرر في أكثر من دولة منتفضة. كما أن الأحزاب المسيطرة على الشارع العربي المنتفض، هي أبعد ما تكون عن الديمقراطية، في الفكر والممارسة.
مع ذلك، فالجميع بحاجة إلى ديمقراطية سليمة تمنع احتكار السلطة، وتحارب الفساد، وتجنب الاضطرابات الاجتماعية التي تعيق التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة. فالديمقراطية السليمة مكون أساسي لثقافة شعبية تفضي إلى قيام نظام ديمقراطي، عبر توافق المجتمع المدني، وإقامة الدولة العادلة ومجتمع المعرفة.
ختاماً، فتحت الانتفاضات قنوات كثيرة للتعبير عن الرأي في عدد من الدول العربية، وألزمت السلطة الجديدة باحترام حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، واعتمدت المساءلة القانونية لمحاربة الفاسدين. لكن تنمية الديمقراطية في الدول العربية المنتفضة، بحاجة إلى معالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن حل مشكلات الديمقراطية لا يمكن أن يكون بالقمع، بل بممارسة المزيد من الديمقراطية، وإفساح المجال أمام الشعب المنتفض لكي يمارس حريته بوعي ذاتي وبمسؤولية وطنية جامعة. ويؤكد النزوع إلى التوافق الجماعي، قدرة المجتمع المنتفض على التمييز بين الديمقراطية السليمة والديمقراطية الشكلية.
فليست الديمقراطية أصواتاً انتخابية فقط، بل قوانين عادلة تنفذ، ومساءلة دائمة، ورقابة مستمرة، وتدريب الجماهير الشعبية على احترام الرأي الآخر، والتفاعل الإيجابي بين الشعب والسلطات الحاكمة. وعبر ممارسة الديمقراطية بوعي ومسؤولية، تستطيع الانتفاضات العربية بناء ديمقراطية بخصائص محلية، تساعد على تعزيز ثقة الشعب في القوى الشبابية المنتفضة.