يستعد الملياردير ألكسندر مسكوفيتش لإطلاق قناة فضائية عالمية، هدفها الرئيس تحسين صورة اليهود عامة، وإسرائيل خاصة. وفي توضيح أبعاد مشروعه الإعلامي الدعائي الضخم، يقول مسكوفيتش إنه يتطلع إلى «حمل زعماء العالمين المسيحي والإسلامي على تبني تصورات إيجابية حول اليهود وإسرائيل، ثم ترويج هذه الصورة بين أتباعهم.. على اعتبار أن الناس يهتدون بقادتهم ويقتدون بهم». ومما رشح عن القناة المزمعة، أنها ستبث بعدد من اللغات الحية واسعة الانتشار، دون استثناء العربية.

ومسكوفيتش هذا يعود في أصوله إلى يهود كازاخستان، وهو واحد من مجموعة حيتان الرأسماليين اليهود، الذين يسخرون جزءاً من ثرواتهم لتوسيع الاستيطان في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقد خص الرجل وحده مدينة القدس وحدها بنحو مليار دولار لدعم هذا التوجه، خلال العقدين الماضيين.

على ذكر هذا الاستثمار العدواني، نلاحظ أنه لم يسبق للحركة الصهيونية أن عانت أو اشتكت، قبل إعلان الدولة أو بعده، من ضيق ذات اليد، وأن قادتها عرفوا كيف يسخرون المال اليهودي، ويستدرجون المال غير اليهودي في خدمة مشروعهم، وتقدم سيرة مسكوفيتش نموذجاً مثالياً على النجاح في هذا المضمار. وهو يسعى اليوم لتدشين ما يسمى «الجزيرة اليهودية»، على غرار «الجزيرة العربية».

المثل الصهيوني في توظيف المال وحسن إدارته في سبيل تحقيق الأهداف السياسية، مسألة تستحق الاهتمام على الصعيدين النظري والتطبيقي..

غير أن ما يشغلنا في هذا المقام، هو العناية التي راحت تبديها الأوساط الصهيونية لإعادة تفعيل الآلة الإعلامية الدعائية، فور أن لوحظ التراجع النسبي لتأثيرها وسحرها، في مواقع ظلت طويلاً مجالاً خصباً للرواية الصهيونية الإسرائيلية حول الصراع في فلسطين وجوارها.

لقد توقف الاستراتيجيون والإعلاميون الصهاينة ملياً، غاضبين ومتعجبين، إزاء ظاهرة إحجام الرأي العام الأوروبي مؤخراً عن تأييده التقليدي بلا تعقيب لإسرائيل.

ولفت بصائرهم كيف تقلصت من تحت أقدامهم مساحات شعبية أوروبية، كانت روايتهم تحتكرها فكرياً وسياسياً ودبلوماسياً. وهذه حقيقة أكدتها استطلاعات اضطلعت بها مؤسسات بحثية وأكاديمية رفيعة المستوى والصدقية، وشاركت في تثبيتها مداخلات متنفذين غربيين، لا يمكن رميهم بالعداء لإسرائيل أو التربص بها.

من ذلك مثلاً، أن السفير البريطاني في إسرائيل ماتيو غول، حذر منذ بضعة أسابيع من أن «الصورة المشرقة التي تحاول إسرائيل رسمها لنفسها أمام العالم، آخذة في الانهيار والتدهور.. وذلك في ظل ممارساتها التعسفية ضد الفلسطينيين في الضفة وغزة، واستمرارها في البناء غير القانوني على أراضيهم»، ومضى إلى أن «على كل من تهمه مكانة إسرائيل أن يقلق من انخفاض تأييدها عالمياً».

الشاهد أن الرواية الصهيونية الإسرائيلية إياها، باتت عرضة للتشكيك والطعن في إطار عالمي، لا تستثنى منه شعوب دول عطفت على إسرائيل مذ كانت فكرة، إلى أن صارت دولة، ثم ردفتها بأسباب القوة والحماية، ومكنت لها بين البلاد والعباد.

الأسئلة والحال كذلك، هل تزامن هذا الانتكاس الصهيوني أو توازى مع صحوة دولية، غربية بالذات، على الرواية العربية الفلسطينية المضادة؟ هل تعد المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية معادلة صفرية، بحيث يمثل حجم كل استنكاف عن الرواية الصهيونية إضافة مساوية لحجم المساندين للرواية، أو بالأحرى للحقوق، العربية الفلسطينية؟ بصيغة أخرى؛ هل تكسب صورة فلسطين والفلسطينيين مزيداً من الإشراق والوضوح والتجاوب لدى من يمتعضون من الصورة الصهيونية الإسرائيلية، ويكتشفون أبعادها السلبية؟..

ظاهر الحال أن الإجابة عن هذه التساؤلات ونحوها، أميل إلى النفي. فالذين يسفهون إسرائيل، وأضحوا يرونها دولة عدوانية؛ خطيرة على الأمن والسلم الدوليين.. هؤلاء لا يصطفون تلقائياً خلف الطرف الفلسطيني المقابل أو النقيض.

من شأن حقيقة كهذه أن تقنع مسكوفيتش ومحازبيه، بأن ثمة إمكانية لوصل حبل الوداد وإصلاح ذات البين مع المؤيدين القدامى، وأن غضب الأخيرين ونكوصهم أمر مؤقت مرتبط بالكسل الدعائي والدبلوماسي الصهيوني، وأن جرعة إعلامية قوية، كالتي ستقدمها الجزيرة اليهودية، ستعيد تقعيد الصورة الإسرائيلية في القلوب والعقول الوجلة.

وتقديرنا أن ضمور التأييد الشعبي العالمي لإسرائيل، لا يعود إلى عوار أو عطب أصاب الآلة الإعلامية الدعائية الإسرائيلية، وإنما إلى تبين وانفضاح المسافة الشاسعة بين ما تبثه هذه الآلة، وحقيقة ما يجري على أرض الواقع من سياسات فعلية توجب الإدانة والنبذ.

وعليه، فإن ما يحتاجه الجانب العربي الفلسطيني لتعزيز هذا الضمور، لا يدور فقط في فلك الأداء الإعلامي الدعائي الرصين، بل يتعلق أيضاً وأساساً بالسلوك الكفاحي العملي، الذي يستقطب المستائين من السياسات العملية الإسرائيلية. لنتأمل، مثلاً، مدى العائد الإيجابي الكاسح على صورة فلسطين والفلسطينيين لدى قطاعات من الرأي العام العالمي، فور إنجاز الوحدة السياسية الوطنية.

ولنتأمل أيضاً، حجم العائد ذاته إذا ما قرر الظهير العربي الإسلامي انتشال الحالة الفلسطينية من بئر الحرمان والفاقة الاقتصادية، بمدد لا مقطوع ولا ممنوع؛ يضع حداً نهائياً للتحكم الغربي الإسرائيلي في أمعاء هذه الحالة.. ومثل ذلك كثير.