كان مدير المستشفى المرموق يقوم بزيارة تفقدية لبعض الأقسام عندما لفت انتباهه أمرٌ في قسم الأمراض العقلية، إذ رأى (بانيو) مملوءاً بالماء وبجانبه ملعقة وفنجان قهوة وسطل كبير، وعندما سأل الطبيب المختص أخبره أن هذا اختبارٌ بسيط لمعرفة القدرات العقلية للمرضى لاختيار الطريقة المناسبة لتفريغ البانيو من الماء، فابتسم المدير وهو يقول: بالطبع ذو القدرة العقلية الطبيعية سيختار السطل، فقابله الطبيب بابتسامةٍ أكبر وهو يقول: كلا يا سيدي، فالعاقل سيقوم بفتح سدّادة البانيو!
القصة ليست لتفضيل أحدٍ على أحد ولا لمحاولة تنقيصٍ من أحقية فئةٍ عَلَت أم هبطت على السُلّم الوظيفي، ولكنها تشير لأهمية أن يوكل الأمر للمختص به دون تعالمٍ أو تفلسف، فكما للمدير مهامه ومجالاته التي يفترض أن يُلمّ بها بصورة أفضل من غيره، وتحديداً فيما يخص الصورة الكبيرة للمؤسسة وإلى أين تمضي وكيف تمضي وهل تعمل ككيانٍ واحد أم كعناصر متفرقة متضاربة، فكذلك الحال لبقية الموظفين، إذ لهم مهامهم وقدراتهم التي تبزّ المدير في تلك المجالات والتي ليس من حقه أن يحشر أنفه فيها لمجرد أنّه المسؤول، فعندما يتم تعيين شخص فإنّما يُعيّن لقدراته التي لا تملكها المؤسسة وقدرته على تغطية أماكن القصور فيها، لذا لا يكون من العقل بمكان أن يتدخل مسؤولٌ ما ليُخبر ذلك الشخص كيف يقوم بعمله التخصصي، فذلك لن يعدو أن يكون سلباً لكل أسلحة ذلك الشخص المعرفية وقدرته على إضافة الفارق!
مما يؤسف فإن الكثير من المؤسسات تصادف مشكلتين من رأس تلك المؤسسة، أولاهما منهجية دبليو بوش والأخرى متلازمة الكرسي، فدبليو بوش كان يلهج ليل نهار "من لم يكن معنا فهو ضدّنا"، فعالمه إمّا أبيض أو أسود، مُلغياً بذلك كل التنوع الجميل للألوان والآراء، لذا لم يكن غريباً بهذه العقلية أن يستلم من سلفه بيل كلينتون فائضاً في الخزانة الأميركية ناف على 300 مليار دولار، ليتركها لخَلَفه أوباما بعجز بلغ تريليوناً ونصف التريليون وبدينٍ تراكمي بلغ عشرة تريليونات، فالأفق الضيق للمسؤول لا يمكن أن يصل بمؤسسته كبُرتْ أم صَغُرتْ إلى قمم النجاح، فمن البدهيات التي يُفترض تواجدها فيه هي تقبّل اختلاف الموظفين واحترام تباين وجهات نظرهم، فذلك التنوّع هو ما يزيد صلابة المؤسسة ويؤهلها لمواجهة تقلبات المستقبل غير المعلوم، وكما قيل فإن المتفائل والمتشائم على ذات القدر من الأهمية، فالأول اخترع الطائرة والثاني اخترع الباراشوت!
متلازمة الكرسي هي قضيةٌ يبرع فيها العرب تحديداً، فخلف كل مؤسسة فاشلة أو ذات أداءٍ متواضع تقف هذه المتلازمة المرضية، والتي تعني اعتقاد المسؤول أن الكرسي الذي يشغله حالياً حقٌ أصيلٌ له لا يجوز أن يُنازع فيه أو يُطمحَ إليه، ويرى كل ناجحٍ في المكان الذي يترأسه كطامحٍ مُتخفٍ لهذا الكرسي، فتراه يعمد إلى سد الطريق على تعيين ذوي الكفاءات العالية ممّن قد يُشّكل تهديداً مستقبلياً على مكانته، ولم يَعُد بمستغربٍ أن تسمع إجابةً واحدة إثر كل مقابلةً لشخصٍ عالي الكفاءة لتبرير رفضه، ألا وهي: "شخصيته عنيدة وغير مرنة وستسبب حساسيةً مع زملائه إن تم تعيينه!"، لكن تُفتح مصاريع الأبواب لمن يقلّ عنه قدرةً بكثير لمجرد أنه لن يكون كابوساً لسعادة المسؤول!
من توابع متلازمة الكرسي سوء توظيف الموجود من الموهوبين، بتهميشهم تماماً أو حشرهم في مواقع لا يستطيعون خلق الإضافة فيها، أو وضعهم تحت أشخاص من طينة عقلية دبليو بوش التي لا تعرف من الدنيا إلا "يا ناقتي إلا العصا وإلا اشربي"، فيتم وأد كل طاقاته وتعطيل كل قدراته التي بإمكانها إضافة الكثير للمؤسسة، لذا لا يكون محيراً أن تتوقف الكثير من المشاريع الطموحة والمبادرات المميزة فجأة بعد إزاحة بعض الأشخاص منها، فمن يأتي بديلاً لهم لا يكون بذات الرؤية ولا بذات القدرة ولا بنفس الفكر الخلّاق، فيحدث الإخفاق بعد أن تتسع الهوّة بين المأمول والمتوفر، وكما يقول الإمام الغزالي: "الناس كالحوانيت إذا تكلموا عُرِفَ البيطارُ من العطّار!"، لكن عند البعض ليس ذلك بمهم ما دام ذلك الكرسي لا يعتليه سواه!
دائماً ما يكون عنق الزجاجة في أعلى الزجاجة، إن اتسع كان المرور سهلاً وإن ضاق ضيّق على الصاعد والنازل، ولئن اكتفينا بالخطب العصماء والمصطلحات التي يلهج بها كثيرٌ من المسؤولين كمقياس لجدارتهم فإن تلك مصيبة كبرى، إذا ليس من المعقول أن نسمع أحداً يقول: أنا ضيق الأفق ومتردد ومذعورٌ على منصبي، بل العكس هو المتوقع، فما تسمعه من الكثير يجعلك تحس بأنّ من يتحدث هو جاك ويلش أو ألان مولالي أو سيرجيو ماركيوني، ولكن نجاح المؤسسات منوطٌ بجودة المخرجات وليس بجودة الكلمات، وللأسف فهذا مأزقٌ عالمي مرتبطٌ بالنفس البشرية التي تكتنفها قضية الـ(أنا ومن بعدي الطوفان)، ففي مسح تم عمله للسوق الأميركية وجد أن 87% من المديرين التنفيذيين يضعون الابتكار ضمن أولوياتهم الخمس، بينما الواقع المؤلم يقول إنّ 78% من الشركات التي يديرونها لا تملك أي شكل لأنظمة الابتكار!
لازالت وللأسف ثقافة البطل الأوحد موجودة وتحت أقنعةٍ كثيرة، وما لم يتم وضع مؤشرات تقييم عالية وإلا فإن الوضع لن يتحسن بمساحيق التجميل كلّها، ولئن كانت زيروكس لحل هذه الإشكالية قد ربطت 30% من رواتب الإدارة برضا العملاء فإن ذلك أجدر أن يتم تبنيّه في المؤسسات الخدمية اللاربحية، وأن يتم الاعتناء بجذب الموهوبين ومنحهم مساحات كافية لبث حياةٍ جديدة في تلك المؤسسات وفي مجالاتهم التي يبرعون بها تحديداً، فليونيل ميسي سيكون أسوأ حارس مرمى كما أن أحمد زويل سيكون أسوأ رسّام، ومن المهم أن يشكر مدير المستشفى ذلك الطبيب بدلاً من أن يبعث له بورقة إقالة من أجل سدّادة بانيو !