إن القيمة الحقيقية لوسائل الإعلام ودورها في المجتمع، تأتي من استشعار المواطن أن ما يراه يمثله هو بثقافته وتراثه وقيمه، وأن من يطلون عليه من الشاشات أو من يخط كلمات بيمينه يشعر بمشاعره ويتبنى قضاياه، وهنا يتكون ما يمكن أن نسميه توطين الإعلام، وهو ألا يشعر المشاهد أن ما يراه غريب عنه أو بعيد عن ثقافته أو عالم آخر لا يعرفه.

وإذا كنا نردد دائماً أن الإبداع ليس له وطن، ولكنه يسكن حين يأنس إلى المكان الذي يطلق له العنان ويفتح له الآفاق لينطلق، وأن استقطاب الكفاءات الإعلامية من كافة البلدان العربية هي من الشواهد التي تؤكد صحة البيئة العامة، فلا بد أن تتماهى مع ذلك تربية كوادر إعلامية مواطنة تؤمن بقضايا وطنها وتعرف دروبه وشعابه، كوادر تحمل ثقافة المجتمع وتراثه وتقدمه للعالم بالشكل الذي يليق به.

 ومما أعلمه من العاملين في مجال الإعلام، سواء في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون وما أشاهده بحكم عملي، أن الكثير من طلبة الإعلام يتجنبون تخصص الصحافة، ولا شك أن ذلك مرجعه أسباب كثيرة، منها ضعف مستوى خريج الثانوية العامة، وخاصة في اللغة العربية وهي من أهم أدوات الإعلامي، والتمكن منها من شروط نجاحه.

ولا شك أن الإعلامي الجيد يعني إجادة اللغة العربية بشكل سليم؛ فإذا توافرت فيه كل المهارات الشخصية والصوتية، واهتزت علاقته باللغة العربية فقد الكثير من بريقه؛ لأن إجادته اللغة العربية تعني قدرته على فهم ما يقدمه، وبالتالي فاعلية توصيله إلى الآخرين.

وهذا يتطلب منّا البحث في كيفية توثيق العلاقة بين أبنائنا ولغتهم الأم، كما يتطلب تطوير أدوات تقديمها والأقنية الخاصة بذلك، كما يتطلب انتقاء مدرسي اللغة العربية والاهتمام بتدريبهم بالشكل الذي يجعل أصحاب اللغة مقبلين عليها غير مدبرين عنها. ولا شك أن ما أطلقه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من مبادرة التمكين للغة العربية، هو القاعدة التي يجب البناء عليها.

وفي هذا الإطار ينبغي البحث عن حلول غير تقليدية، وهنا أذكر ما اقترحه عليّ الأخ الفاضل الأستاذ/ ظاعن شاهين رئيس تحرير جريدة «البيان»، ونحن نتحدث عن هموم الإعلام الوطني وشجونه، من أن الصحيفة على استعداد لتوفير قاعات تدريس للعاملين في مقر الصحيفة، وفتح آفاق التدريب لطلبة الإعلام في الوقت نفسه، وانتقاء العناصر المتميزة منهم للعمل برواتب مجزية، وهناك أمثلة كثيرة وإن كانت أقل من الطموح المطلوب.

كما ينبغي تشجيع أبنائنا على الالتحاق بالتخصصات المطلوبة، عبر دراسة الاحتياجات المطلوبة على وجه الخصوص، ليصبح التعليم لسد حاجة، وليس التعليم لحمل شهادة ترفع من الراتب أو الدرجة الوظيفية.

إن التوطين في وجهه الثقافي، يعني أن تفتح الصحف صفحاتها وساعات البث للطاقات الثقافية من المواطنين جنباً إلى جنب مع غيرهم، إذ كيف لها أن ترتقي دون أن نفتح لها أبواب الفعل الحقيقي، وكيف يتم التجويد دون المحاولة مرات ومرات، وهذا أهم ما يميز كل ما يتعلق بالفكر والإبداع، وإلا فلماذا يحصد الكاتب جائزة على مقال من بين مئات المقالات، ويحصل الروائي على نوبل لرواية واحدة من بين عشرات الروايات، وينال الممثل «كان» عن دور وقد قدم مئات الأدوار؟ إن تمام الإبداع لا يمكن الوصول إليه دون أن نملك شجاعة تقديم الأقلام الشابة والوجوه الجديدة، ومساندتها وتحمّل معاناة صقلها وتشجيعها، وهذا هو الدور المنتظر من وسائل الإعلام الوطنية.

إن التوطين الإعلامي يعني أن يتم تقديم الرسالة الإعلامية بنسيمها المحلي وبشكل جاذب مبهر، وأن نعرف الهدف الذي يجب الوصول إليه، دون البحث عن التقليد أو الاستنساخ أو ملء ساعات الإرسال بمضمون أجنبي غالباً.

توطين الرسالة الإعلامية يعني أن تكون أخبار الدار وقضايا الوطن لهما الطرح الأعظم، حتى لو تحدثنا كثيراً عن عولمة الإعلام، إلا أن المتتبع للإعلام الغربي يجد أن المواطن يهتم بصحيفته المحلية؛ لأن فيها ما يبحث عنه ويهمه، قبل أن يتصفح الجريدة القومية وهي قليلة.

توطين الرسالة الإعلامية يعني أن تكون منبراً لإبراز المواهب الوطنية في الفن والموسيقى والغناء والشعر والرسم والفنون كافة، وإلقاء الضوء على الإبداعات الشابة في القصة والرواية، وإقامة الندوات وعرضها؛ ليتم استفزاز ما لدى أبنائنا من قدرات كامنة لا تجد المجال المناسب لها، فضلاً عن الكفاءات الوطنية في الرياضة والابتكارات العلمية والطب الذي تعدى مجتمعنا المحلي إلى محيطنا العربي والإقليمي، والشاهد ما نشرته صحيفة «البيان» حول ما حصلت عليه المواطنة الإماراتية «عيدة المحيربي وشريكها المهندس وصفي الشديفات»، من براءة اختراع من مكتب الملكية الفكرية لجمهورية الصين الشعبية، عن اختراعهما «غطاء أكورديون للمركبات»، وتعد هذه أول براءة اختراع تمنح لمواطنة إماراتية من مكتب الملكية الفكرية لجمهورية الصين الشعبية.

على الجانب الآخر، فإن توطين الرسالة الإعلامية يعني أن يربى أطفالنا على القصص والقيم النابعة من تراث بلدهم والصوت الذي يعلق في آذانهم، وأن تكون النماذج الشخصية التي يقتدون بها نابعة من عمق هذا الوطن؛ فكل منا يتذكر بعد بلوغه أشده ما ارتبط به من قصص يوم أن أبصرت عيناه النور، وعرف قيمة الكلمة وأثرها، في حين غابت القدوة إعلامياً، وإن كانت موجودة على أرض الواقع.

إن التوطين لا يعني أن يشغل أبناء الوطن الوظائف المختلفة في مختلف الدوائر وحسب، بل توطين الفكر؛ بمعنى أن الانطلاق من قاعدة وطنية خالصة وواثقة مع الانفتاح على كافة الثقافات، هو السبيل إلى بناء الشخصية الوطنية المؤهلة للحفاظ على مكتسبات الوطن ومكانته.

إن الوطن زاخر بالكفاءات الوطنية القادرة التي يجب تقديمها وإلقاء الضوء عليها، وإن ما حققته دولتنا في مسيرتها الظافرة التي تزداد توهجاً وجسارة يوماً بعد يوم، والتي باتت نموذجاً يسعى غيرنا إلى الاحتذاء به، يدل على أن لدينا الإرادة والقدرة على استكمال المسيرة بزخم وطني يعرف تاريخه ويستوعب عصره، متمكناً من أدواته، ومحدداً هدفه الذي لا نرضى عن الوصول إليه بديلاً.