عام 1988 أصدر الكاتب البريطاني من أصل هندي سلمان رشدي، روايته الخامسة حينها "آيات شيطانية" التي لم تكن أفضل رواياته، بعد أن حصل على جائزة "بوكر" الإنجليزية عن روايته الثانية "أطفال منتصف الليل" التي أصدرها عام 1980.
تدور "آيات شيطانية" حول "صلاح الدين جمجة"، الهندي الذي عاش منذ صغره في المملكة المتحدة، وتنكر لأصوله الهندية بعد أن انسجم مع المجتمع الغربي، و"جبرائيل فرشته" الممثل الهندي المتخصص في الأفلام الدينية، الذي فقد إيمانه بالدين بعد إصابته بمرض عضال لم تنفعه دعواته للشفاء منه.
يجلس الإثنان على مقعدين متجاورين في الطائرة المتجهة من بومبي إلى لندن، لكن الطائرة يتم تفجيرها في الجو من قبل جماعات متطرفة، وأثناء سقوطها يتحول "صلاح الدين جمجة" إلى مخلوق شبيه بالشيطان، بينما يتحول "جبرائيل فرشته" إلى مخلوق شبيه بالملاك.
رواية حكم عليها أغلب الذين قرؤوها بأنها أقل من عادية، بل قال البعض إنها رديئة ومملة، لكنها أصبحت بين عشية وضحاها واحدة من أشهر روايات القرن العشرين وأكثرها مبيعاً، ليس لجودتها بالطبع، وإنما للضجة التي ثارت حولها، وأكسبت مؤلفها شهرة لم يحلم بها ولم ينلها. فما هي الخلطة العجيبة التي استخدمها "سلمان رشدي" لجعل هذه الرواية هي الأهم والأشهر من بين كل الروايات التي كتبها قبلها وبعدها؟ ومن الذي ساعده على هذا؟
لقد عمد سلمان رشدي في "آيات شيطانية" إلى التعرض لشخص النبي محمد "صلى الله عليه وسلم" بالإساءة والتطاول، استناداً إلى رواية وردت في بعض كتب الحديث والتفسير في ما يعرف بـ"حديث الغرانيق".
وهي رواية مختلف عليها، لكن "رشدي" استغلها مدعياً أن النبي الذي يسميه في روايته "ماهوند"، قام بإضافة آيات في القرآن لتبرير وجود أصنام ثلاثة كان يعبدها المشركون في مكة حينها، لكن الرسول، حسب الرواية، قام بحذف هذه الآيات لاحقاً، مبرراً ذلك بأن الشيطان نطق هذه الآيات على لسانه.
كان يمكن لهذه الرواية أن تظل قابعة على رفوف المكتبات سنوات طويلة، كما كان يمكن لسلمان رشدي أن يظل كاتباً مغموراً أو محدود الشهرة لولا ما حدث بعدها، إذ قامت الهند بعد تسعة أيام من نشر الرواية بمنع "رشدي" من دخولها، وتلقت دار النشر التي طبعت الكتاب الآلاف من رسائل التهديد والاتصالات المطالبة بسحبها من مراكز البيع، وقامت دول كثيرة بمنع دخولها، وخرجت مظاهرات حاشدة، قام بها مسلمون في جميع أنحاء العالم تندد بالكتاب.
وتم حرق أعداد كبيرة من نسخه في بعض المدن، ثم صدرت الفتوى الشهيرة من آية الله الخميني في الرابع عشر من فبراير 1989، بإباحة دم سلمان رشدي الذي تحول بعدها في نظر الغرب إلى ضحية، وغدا بطلاً من أبطال حرية الرأي والفكر، ومُنِح عدة جوائز، من بينها "توغولوسكي" للآداب السويدية عام 1992، وجائزة "آريستون" من المفوضية الأوروبية عام 1996، ثم منحته ملكة بريطانيا عام 2000 لقب "فارس"، الأمر الذي أثار اعتراضات شديدة في بعض الدول الإسلامية التي اعتبرته موجهاً ضد الإسلام، وطالبت بريطانيا بسحب اللقب منه.
الشاهد في حكاية سلمان رشدي وروايته "آيات شيطانية"، أنها أصبحت بعد ذلك تُنتج بأشكال مختلفة، لينال أصحابها من الشهرة والمال والجوائز ما لم يكونوا يحلمون به، فكانت الفتوى الصادرة بإهدار دم الطبيبة والكاتبة البنغلاديشية تسليمة نسرين عام 1994، بعد إصدارها لرواية "العار" واتهامها بالردة وإعلان إحدى الجماعات الإسلامية عن مكافأة لمن يأتي برأسها، فمُنِحت حق اللجوء السياسي في السويد، وكُرِّمت من قبل اليونسكو بمنحها جائزة "مادانجيت سينغ" لتعزيز التسامح واللاعنف.
وعلى هذا المنوال أصبحت مهاجمة الإسلام والإساءة إلى رموزه وقيمه وسيلة الكثيرين من الساعين إلى الشهرة، عن طريق استفزاز المسلمين ودفعهم إلى مهاجمة منتجهم الروائي والفني والفكري. فإلى أي مدى يمكن أن يسهم المسلمون أنفسهم في تحقيق أغراض هؤلاء المغرضين الساعين إلى الشهرة من أيسر الطرق وأقصرها وأكثرها خسة ودناءة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا، ونحن نتابع ما يحدث من ردود أفعال على الفيلم الأميركي المسيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا الفيلم الذي يعد بكل المقاييس إنتاجاً هابطاً لا يرتقي إلى مستوى الضجة التي أثيرت حوله، ناهيك عن أنه عمل مستهجن من كل الديانات والحكومات والشعوب.
لكنه حقق هدف الجهات التي تقف وراء إنتاجه والترويج له، وهو إحداث هذه الزوبعة التي أدت حتى الآن إلى مقتل السفير الأميركي وثلاثة من الموظفين في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي بليبيا، ومهاجمة السفارات الأميركية وبعض السفارات الغربية في الدول العربية، ومقتل العديد من المحتجين ومهاجمي السفارات، وسقوط عشرات الجرحى والمصابين من المتظاهرين ورجال الأمن الذين يؤدون واجبهم في حماية الهيئات الدبلوماسية، وفقاً لما تقتضيه القوانين والأعراف الدولية.
ترى.. من كان يعرف نيكولا باسيلي نيكولا الذي يقول إنه منتج الفيلم، قبل هذه الضجة؟ وكم هو عدد الذين شاهدوا المقاطع التي وضعها من الفيلم على قناة اليوتيوب التي تحمل اسمه منذ ثلاثة أشهر، قبل أن تتم دبلجتها وعرضها على الإنترنت في مواقع عربية قبل أيام؟
أسئلة علينا أن نطرحها على أنفسنا ونحن نستعيد حكايات سلمان رشدي وتسليمة نسرين وغيرهما، لأنه واضح أننا لا نتعلم من أخطائنا، بل نكررها ونستنسخها، مع اختلاف الزمان والمكان والوجوه. وهذه، في رأينا، مشكلتنا في التعامل مع الإساءات، ومن يتسبب فيها، ومن يروج لها.