كان المدير المستقيل يُسلّم مهام عمله إلى خليفته الجديد، وبعد أن انتهى من تسليمه كل شيء أخبره أن في دُرج المكتب الأسفل ثلاثة مظاريف، كلما واجهته مشكلة لا يجد لها حلاً فليفتح واحداً منها!

بعد ثلاثة أشهر مرّت الشركة في أزمة مالية لم يستطع المدير الخروج منها، فتذكر المظاريف وفتح الأول منها، فوجد مكتوباً فيه: "قُم بإلقاء اللوم على المدير السابق"، فقام بذلك فوراً مما تسبب في تلاشي غضب مجلس الإدارة وتقبلها لتلك الخسائر ومرور الأمور بسلام، وبعد نصف سنة فشلت المنتجات الجديدة للشركة، ولأنه لم يعرف الخلاص من هذه الورطة قام بفتح الظرف الثاني ووجد مكتوباً فيه: "قُم بلوم الموظفين وانهِ خدمات بعضهم"، ففعل ذلك وهدأت العاصفة بعد أن ظنّ الجميع أن السبب هم أولئك الموظفون الغلابة!

بعد بضعة أشهر وقعت الشركة في مأزقٍ مالي جديد، فهرع المدير للظرف الأخير ليجد مكتوباً فيه: "الآن حان دورك لإعداد مظاريف ثلاثة"!

عن نفسي كم أتمنى أحياناً أن يكتفي بعض المديرين والذين لم يُضيفوا شيئاً خلال سنين طويلة من إقامتهم الأبدية على كرسي المسؤولية، بالمدة التي قضوها وأحلامنا التي لم يستطيعوا تحقيقها وأن يكتفوا بظرفٍ واحد مكتوبٌ فيه: "شكراً ومع السلامة"، ففي أغلب الأحيان يكون تحمّل خسارة معركة أهون من خسارة الحرب بأكملها، وكم تعبنا ونحن ننتظر في بعض القطاعات انجازاً يتماشى وتقدّم دولتنا الحبيبة وتميزها في أغلب القطاعات الحيوية، فطال علينا الأمد حتى ملّ الانتظار منّا وحزم حقائبه ورحل!

لم نصبح عبثاً في المرتبة الأولى عربياً والثالثة والعشرين في مؤشر التنافسية العالمي، ولم تصبح أبوظبي دون سبب مركزاً للثقافة ومرجعية للطاقة النظيفة والمتجددة وصناعة الطيران ومؤسسةً تدير بكفاءة عالية أقوى وأنجح صندوق سيادي عالمي، ولم تنم دبي لتجد نفسها بمحض الصدفة قبلة السياحة العالمية ومركز الثقل المالي في الشرق الأوسط، ولم تغدُ جامعة الإمارات في المركز 338 عالمياً على مقياس كيو إس للتصنيف الأكاديمي من قبيل الحظ، فما تم لم يتأتَ إلا بحُسن التخطيط وجودة التنفيذ وصرامة وسلامة وسائل قياس مؤشرات أداء تلك القطاعات، فليس النجاح بأن تقوم بعملك بطريقة صحيحة، بل بأنْ تقوم بالعمل الصحيح بطريقة صحيحة وفي الوقت المناسب له، أمّا التخبط والعشوائية فإن نتاجها سيكون مُحبطاً للجميع ولن تُجمّل ذلك النتاج السيئ التصريحات الرنانة والتباكي على الظروف وعدم تعاون المؤسسات الأخرى!

مع احترامي للجميع إلا أنّه لا مجال للمقارنة في الصعوبة والتنافسية بين قطاعات الاقتصاد والسياحة والطاقة والطيران وبين الرياضة، وعندما أجد دولتي تتميّز في تلك القطاعات المعقدة والتي لا يُساعدها المناخ الجيوسياسي ولا حتى المناخ الطبيعي لكي تزدهر، وخلافاً لكل التوقعات نجد اسم الإمارات حاضراً وبقوة في كل تلك المحافل ومنافساً في كل قوائم التفوق ومتواجداً دوماً مع دول النخبة العالمية، فإنّه ليتملكنا العجب ونحن نرى عزف الرياضة النشاز وواقعها المؤلم ومستقبلها الذي لا ينبئ بتغيرٍ عن الوضع الحالي!

ما دمنا نملك ونتقن استخدام أدوات التفوق في كل تلك القطاعات الصعبة وتنافسيتها العالية، فإنّه من المهم أن نحوّل تلك المنهجيات الناجحة إلى قطاع الرياضة ومن خلال كوادر سبق لها ونجحت في خلق فارقٍ كبير وقيادة مؤسسات ناجحة، ولا يجب أن نلتفت لتلك الأسطوانة التي مللنا منها بأنّ أهل الرياضة أدرى بها، فأغلب من يعملون بمؤسساتنا الرياضية لم يركلوا كرة أو يشاركوا في سباقٍ قط، وبالتأكيد فأيّاً منهم لم يفز بميداليةٍ لا ذهبية ولا شبه ذهبية!

لا بد من التغيير إن أردنا تغيّراً في المخرجات، فقد سئمنا من ذات التصريحات التبريرية والبحث عن شماعات هنا وهناك، والتي لم نرَ معها سوى تاريخاً فارغاً وخزائن خاوية من الكؤوس، وآخر ذلك كان في أولمبياد لندن حيث مثلنا 32 رياضياً في 7 ألعاب أولمبية ولم نعد بميدالية ولا حتى بخُفي حُنين، بينما دولة فقيرة كأثيوبيا حصلت على ثلاث ذهبيات وفضية وثلاث برونزيات، بل وحتى أوغندا وجزر البهاما دخلوا سجّل الذهب وهم بالكاد يجدون ميزانيةً لأحذية رياضييهم بينما لا زال أصحابنا يطالبون بالمليارات!

لقـد حصـل العرب مجتمعين على 94 ميداليـة فقط خلال 84 سنة من المشاركات الأولمبية، بينما نالت أميركا 104 ميدالية في أولمبياد لندن وحده، والأمر لا يحتاج عبقرية كبرى لمعرفة السبب، فطريق النجاح واحد في كل المجالات، فلا عمل دون تخطيط سليم، ولا مخرج جـيد دون تنفيذٍ جيد، ولا تنفيذ جيّد دون مؤشرات ومقاييس واضحة، ولا يتم ذلك كلّه دون أشخاص أكفاء ممّن تدعمهم تخصصاتهم المهنية وخبراتهم العملية، وليس بالبحث الدائم عن ذات الوجوه لأننا ألفناها لا غير ونعلم في قرارة أنفسنا أنها لن تُقدّم شيئاً مختلفاً!

كل شيء يبدأ من الأشخاص، فبدون نوعيةٍ ذات كفاءة عالية جداً وإلا فإن كل ما سيحدث لن يعدو أن يكون هدراً للأموال وإضاعةً للوقت ومجالاً لعشرات التجارب غير الممنهجة، وقد كان باني الدولة زايد الخير رحمه الله تعالى فطناً لتلك الحقيقة عندما قال: "الرجال أهمّ من المصانع"، فهم من يخلق الفارق، وبهم تفوقت دولتنا في أغلب الميادين الحيوية، وبأمثالهم نستطيع أن نعيد الرياضة من التيه الذي تعيشه إلى مسار التفوق الذي نسير فيه، حينها لن نحتاج إلى ثلاثة مظاريف ممّن لم يستطع السير مع الناجحين، بل سنكتفي منه برسالةٍ وداعيةٍ تقول: شكراً وأتمنى لكم التوفيق!