حدثان مهمان على المستويات العلمية والتكنولوجية، والسياسية كذلك، كان لهما دوي كبير في العالم كله في الآونة الأخيرة، أولهما إعلان مركز الأبحاث النووية الأوروبي "سيرن" عن التوصل إلى اكتشاف الجسيم المعروف باسم "بوسون هكز" أو "جسيم الرب"، وثانيهما هبوط مركبة الفضاء الأميركية "كيريوسيتي" على سطح كوكب المريخ. وقد رافق هذين الحدثين الكونيين الكبيرين، الكثير من اللغط والجدل حول مغزى كل منهما، وسط جهل لا يمكن إنكاره لدى معظم الناس عن قضايا كثيرة تتعلق بالعلم ومنجزاته.

والحقيقة أن ذلك يلقي الضوء على مدى حجم الهوة بين ما يمكن تسميته "المجتمع العلمي" وبين بقية الناس، ويكشف مدى الحاجة لجعل الإنجازات العلمية والتكنولوجية أكثر بساطة، وأكثر قرباً لأسلوب القارئ العام غير المتخصص في الفهم.

تبسيط العلوم وعرضها بشكل يجعلها في متناول الجميع، موضوع حساس ومهم جداً في وضع استراتيجيات التحول نحو المستقبل، خاصة وأن نتاجات العلوم قد أصبحت جزءاً من حياتنا واستعمالاتنا اليومية، لأنها توفر لنا المزيد من القدرات في شتى المجالات. فهي امتدادات لأجهزتنا الحسية من جهة، ووسائل لتسهيل عملنا وقضاء أوقات فراغنا من جهة أخرى. من جانب آخر هناك إمكانيات كبيرة لكسب المزيد من فوائدها، إذا أصبح لدينا المزيد من المعرفة عن هذه المفاهيم وعن المنجزات التكنولوجية المنبثقة عنها، مهما اختلفت درجات تعقيدها.

تبسيط العلوم للقراء هو مدخل من مداخل التعليم الخاص، الذي لا تتحمل الدولة أعباءه المالية ولا تتكفل بالصرف عليه، وهو إدخال المتعة إلى حياة الإنسان. لقد وفر الغرب لمجتمعاته وسائل عدة لتبسيط العلوم، وذلك من خلال النشريات، سواء ما يصدر منها يومياً في الصحافة أو أسبوعياً أو شهرياً على هيئة مجلات أو دوريات تعنى بنقل العلوم بشتى أصنافها، بلغة وأسلوب وبتشبيهات وأمثلة يستطيع القارئ غير المتخصص استيعابها والاستفادة منها، والتواصل أيضاً مع غيره حولها. هذا إضافة إلى إنشاء المراكز والمتاحف العلمية، التي تعنى بالعرض المشوق للأفكار العلمية وللاكتشافات والابتكارات.

ولا شك أن خلق أسس ولو بسيطة من التفكير العلمي لدى القارئ العام، يشكل لديه قدراً من الحصانة ضد أفكار الشعوذة والدجل، التي غالباً ما تجد قدراً من الاهتمام والتقبل من لدن من لم يجعل للعلوم نصيباً في نشأته وتربيته الفكرية، في مجتمعاتنا التي يتحصن فيها الدجالون خلف البعض من تراثنا الفكري.

كما أن المستوى الثقافي للمجتمع أمر مهم وأساسي في تطور مؤسساته المختلفة، فالقاعدة الواسعة والواعية سند مهم ورافد رئيسي لجميع المؤسسات الحيوية التي تسهر على المصالح العامة. ومن هذا المنطلق لا بد أن يكون للعلوم والتكنولوجيا مكان في ثقافة المجتمع، لما في ذلك من أهمية في جعل مهام الدولة أكثر يسراً في التنفيذ، ولعل ذكر أهمية الثقافة البيئية المجتمعية، وهي ثقافة علمية، أوضح مثال على ذلك.

وقد سعت الدول المتقدمة وتسعى إلى تحقيق هدف رفع المستوى الثقافي للمجتمع بشكل مستمر، عن طريق جعل معطيات العلوم والتكنولوجيا في متناول الجميع على اختلاف ثقافاتهم وأعمارهم، كما سبق أن أشرنا. ولم يقتصر الاهتمام بهذا الجانب على جهود أناس معينين في المؤسسات التربوية، بل أسهم فيه علماء كبار نذكر منهم ألبرت آينشتاين في ثلاثينات القرن المنصرم، أما في الوقت الحاضر فلا يزال "ستيفن هاوكنغ"، أحد أبرز علماء عصرنا، يثري المكتبة العلمية بإصدار بين الحين والآخر، يشرح فيه أفكاره العميقة جداً بأسلوب قريب إلى ذهن القراء.

والحقيقة أن المؤسسات الرسمية في البلدان المتقدمة، كانت سباقة في الاهتمام بردم جزء من الهوة الفاصلة بين ما يطرحه العلماء وبين ما يفهمه عموم الناس من هذا الطرح. ولنا أن نشير في هذا السياق، إلى ما رافق افتراض وجود "بوسون هكز" أو ما يعرف بـ"جسيم الرب"، من غموض حول دور هذا الجسيم وآلية عمله في إكساب الجسيمات كتلها، وكيف أن افتراض وجوده أمر لا مفر منه لتفسير وجود الكون بالشكل الذي نعرفه، وهو الواقعة الجميلة في معناها والعميقة في مغزاها التي تتعلق بهذا الجسيم. فقد أعلن "وليم وولدغريف" وزير العلوم البريطاني عام 1993، عن تخصيص جائزة مالية لأفضل شرح لآلية عمل هذا الجسيم للقارئ غير المتخصص، حيث فاز العالم الفيزيائي في كلية لندن الجامعية "ديفيد ميلر" بتلك الجائزة.

ذكر هذه الواقعة يجعلنا نرى كيف أن التقدم الذي حققه الغرب، لم يتأت ببقاء العلماء ومفاهيمهم في صوامع بمعزل عن سائر الناس، بل إن الأمر خلاف ذلك. فخلق قاعدة واسعة تعمل على رعاية الأفكار والمنجزات العلمية، ونشرها بأسلوب جذاب يكسر حاجز التهيب من تعقيد المعادلات الرياضية وجفاف المفاهيم التي يرطن بها المتخصص، وتقريب ذهنية هذه القاعدة الواسعة إلى نكهة العصر وروحه، كان إحدى الضرورات للتقدم.

أصبح معظم الناس على احتكاك مباشر بمعطيات العلوم والتكنولوجيا، من خلال مباشرة مهامهم أو وسائل تسليتهم اليومية، ما يتطلب أن يكون لديهم أفق فكري يستوعب ذلك، دون الإحساس بالغربة. إن تبسيط العلوم وجعلها في متناول الجميع، أمر على قدر كبير من الأهمية في عملية التخطيط لبناء شخصية إنسان عصري، يتفهم روح العصر ويطلع على إنجازاته ويتفاعل معها، ليصبح أكثر انتماء لجيله وأكثر قدرة على الإسهام في عملية التقدم الاجتماعي في بلده.

وقد سجلت عملية تبسيط العلوم ونقلها إلى أفراد المجتمع، نجاحات لافتة للنظر أينما طبقت، وليس أدل على ذلك من كون الكتب والمجلات التي تعرض العلوم والتكنولوجيا للقارئ العام بأسلوب مبسط، تسجل أرقاماً قياسية في المبيعات. فالجمهور الواسع متعطش لاستيعاب العلوم الجديدة، ومتشوق كذلك للتمتع بالآفاق الفكرية والعملية الرحبة التي تتيحها العلوم المعاصرة، خاصة بعد أن بدأت تلعب دوراً متزايداً في الحياة اليومية للأفراد، الذين يزداد ويتوسع استخدامهم للتكنولوجيا المتقدمة باستمرار.