تلقت اليابان أول قنبلتين نوويتين أميركيتين عام 1945، تسببتا في وفاة أو تشويه أكثر من ثلاثمئة ألف ياباني، بالإضافة إلى خسائر هائلة نجمت عن القصف الأميركي لإجبار اليابان على الاستسلام في نهاية الحرب العالمية الثانية، وفرضت عليها تدابير أميركية صارمة منعتها من التسلح، أو إنتاج الأسلحة، أو المشاركة في أي أعمال عسكرية خارج إطار الأمم المتحدة.

ونصت المادة التاسعة من الدستور الياباني الذي تمت صياغته في ظل الإدارة الأميركية عام 1946، وبدأ تطبيقه في مايو 1947، في مادته التاسعة على منع استخدام السلاح داخل حدود اليابان إلا لأغراض دفاعية، ومنع الشركات اليابانية، الحكومية والخاصة، من إنتاج الأسلحة أو المتاجرة بالسلاح.

لذلك فوجئ الرأي العام الياباني، الذي كان يعيش تحت وطأة زلزال 11 مارس المدمر، بموقف جديد لليابان، قضى بإنتاج أنواع معينة من الأسلحة بهدف الاتجار بها في الأسواق العالمية.

ففي السابع والعشرين من ديسمبر 2011، أعلن أوسامو فوجيمورا أمين عام مجلس وزراء اليابان، أن حكومة بلاده وافقت على تخفيف الحظر على إنتاج الأسلحة، والسماح لشركات يابانية في مجال تطوير الأسلحة، وإنتاجها، وبيعها، ومد البعثات ذات الطابع الإنساني بمعدات عسكرية ضرورية لحمايتها ومساعدتها في مهماتها. وبدا واضحاً أن الهدف منه خفض كلفة النفقات التي تدفعها اليابان سنوياً للولايات المتحدة الأميركية، التي فرضت عليها وضعية المحمية العسكرية تحت المظلة الأميركية.

في الوقت نفسه، نص القرار الجديد على ضرورة احترام المبادئ الثلاثة التي تؤكد على روح الدستور السلمي. فاليابان دولة مسالمة لا تستخدم السلاح للاعتداء على دولة أخرى، ولا تسمح ببيع أسلحة إلى إرهابيين يهددون الأمن والاستقرار في العالم، ولا تشارك في أعمال عسكرية خارج مهمات تحددها الأمم المتحدة، لنزع فتيل الأزمات المحلية وحماية السلم العالمي.

مع ذلك، واجه القرار اعتراضات عنيفة من القوى الديمقراطية اليابانية. وصدرت توضيحات تؤكد عدم تعارضه مع دستور اليابان السلمي، إذ يقتصر الإنتاج العسكري الياباني بموجبه على تصنيع العربات العسكرية، والذخيرة العادية، والشاحنات العسكرية من مختلف الأحجام الكبيرة، التي تستخدمها الجيوش في حالة الدفاع عن النفس.

وتنتج المصانع اليابانية معدات عسكرية تؤهلها لحماية نفسها، بحيث تستغني عن المظلة العسكرية الأميركية، وتوفر على الشعب الياباني مليارات الدولارات لتغطية نفقات الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، تمهيداً للاستغناء عنها بطريقة ودية.

طرح القرار تساؤلات عدة حول الأهداف الحقيقية الكامنة وراء عودة اليابان إلى إنتاج الأسلحة، ضمن قيود محددة. فدخول شركاتها في إنتاج الأسلحة وبيعها، مسألة بالغة الحساسية بالنسبة للدول المجاورة التي يفصلها عنها تاريخ مؤلم، وملايين القتلى والجرحى والمشوهين ونساء المتعة، خاصة في الصين وكوريا الجنوبية.

لذا ربط بعض المحللين بين تشجيع تجارة الأسلحة، ولو بصورة محدودة، وسلسة الأزمات الاقتصادية المستمرة في اليابان. فقد حلت بها كارثة مدمرة بعد زلزال 2011، وما أعقبه من تسونامي وتسرب للإشعاعات من ثلاثة مفاعلات نووية في منطقة فوكوشيما. وتركت الكارثة آثاراً سلبية للغاية على اقتصاد اليابان، تقدر بأكثر من ثلاثمئة مليار دولار.

وبات الاقتصاد الياباني الذي كان يعيش مرحلة «اقتصاد الفقاعة» منذ عام 1993، في مرحلة بالغة الخطورة لأسباب يابانية محلية من جهة، وللنتائج السلبية التي خلفتها الأزمة العامة للرأسمالية على الاقتصاد العالمي منذ عام 2008 من جهة أخرى.

وقد احتكرت الولايات المتحدة سوق السلاح بنسبة كبيرة، بلغت 66 مليار دولار عام 2011، أي ما يعادل 75 % من إنتاج السلاح في العالم كله، وتأتي روسيا في الدرجة الثانية بنسبة مبيعات تقل عن خمسة مليارات دولار، ما شجع اليابان على الدخول في تجارة الأسلحة بصورة ملطفة، بعد أن أطلقت عليها صفة «إنتاج أسلحة دفاعية لدعم مهمات إنسانية بإشراف الأمم المتحدة».

فأمن الاقتصاد الياباني يتطلب ضمان مصادر التمويل النفطي، والحفاظ على سياسة الباب المفتوح أمام السلع والرساميل اليابانية.

وهي سياسة ثابتة منذ الأزمة النفطية عام 1973، وذات صلة بتبعية اليابان للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، التي تعيش اليوم حالة غليان داخلي، قادت إلى التهافت على شراء الأسلحة التي انتشرت على نطاق واسع في جميع دول المنطقة، وبكلفة عالية جداً، بلغت عشرات مليارات الدولارات سنوياً.

وهي تأتي على خلفية فشل سياسات التنمية البشرية والاقتصادية المستدامة في الدول العربية، حيث ارتفعت نسب الفقر والبطالة والأمية والتصحر، وزادت حدة الصدامات الدموية بين السلطات والشعوب، وبين الجماعات العرقية والقبلية والطائفية.

فقادت تلك الأزمات إلى الانتفاضات الشعبية لعام 2011، ما زاد في اضطراب الأمن فيها، وبروز أزمة كبيرة تهدد الاقتصاد الياباني، بسبب كثافة مصالحها الاقتصادية في الشرق الأوسط.

بقي أن نشير إلى أنه طوال النصف الثاني من القرن العشرين، بقيت علاقات اليابان مع العالم العربي ضمن معادلة: «النفط العربي مقابل السلع اليابانية». لكن التركيز على العلاقات التجارية دون سواها، انعكس سلباً على الأمن الاقتصادي الياباني في زمن انتفاضات الربيع العربي، وتراجع الطلب على السلع اليابانية غالية الثمن.

وتتحمل القيادات العربية مسؤولية مباشرة في عدم الاستفادة من تكنولوجيا اليابان واستخدامها في بناء نهضة صناعية عربية، تسهم في إيجاد فرص عمل لملايين الشباب الذين امتلكوا مهارات تقنية كبيرة تساعدهم على تنمية دولهم، فأدى تجاهل الأنظمة العربية لدور الشباب وقدراتهم العلمية والتقنية، إلى هجرة كثيفة للأدمغة العربية، وتفجير انتفاضات شبابية طالت عدداً من الدول العربية.

ختاماً، ليس عرب اليوم بحاجة إلى المزيد من أسلحة الدمار الجزئي أو الشامل، بل هم في أمس الحاجة إلى توطين التكنولوجيا المتطورة لضمان أمنهم الاقتصادي والثقافي.

وبإمكان العرب واليابانيين وضع برامج مشتركة لضمان أمنهم الاقتصادي، على قاعدة المصلحة المشتركة للجانبين، فالمصالح التي تجمع بين اليابانيين والعرب تتعدى الأطر الاقتصادية الضيقة، لتطال الجوانب العلمية، والثقافية، والفنية، والإعلامية، والإنسانية، لتساعد على بناء سياسة يابانية تساعد على حل مشكلات الشعوب العربية، وضمان مصالح الجانبين.