قبل الانتفاضات الفوارة خلال العامين الأخيرين، لم يكن متاحا ولا ممكنا العثور في الرحاب العربية على مناظرات علنية؛ أقرب إلى الطابع الشعبوي، حول قضايا ذات حساسية خاصة تتعلق بشؤون الحكم والسياسة. وفي هذا السياق، كان التناظر الموصول بمفهوم الدولة المدنية نخبويا وربما أكاديميا؛ مقصورا إلى حد بالغ على أقلية تخوض فيه، على سبيل الرياضة الذهنية والمعرفة النظرية.. لا أكثر.

ضمن هذا الحيز المحدود، لم يطمع سوى القليل من هؤلاء الخائضين (الحالمين؟!) في أن يأتي حين من الدهر، كالذي نحن فيه راهنا، تتحول فيه أحاديث الديمقراطية والدولة المدنية والمواطنة الحقة، ونحوها من المفاهيم النخبوية، إلى مكملات الطبقات الاجتماعية التي همشت طويلًا، وقيل إنه لا دراية لها أو عناية بمثل هذه القضايا والشجون.

الانتفاضات العربية أطلقت العقول المقيدة والألسنة المعقودة، وأنزلت هذه الأحاديث من عليائها، وهذا أمر إيجابي. غير أن هذه الانطلاقة اقترنت بشيء كثير من عدم التوافق على ضبط المفاهيم المتداولة وتقعيدها، على أسس موضوعية وعلمية.. وكان من نصيب مفهوم الدولة المدنية، أنه وقع في قلب دائرة هذا التنازع بين أنصار التيارات الفكرية والايديولوجية والسياسية..

قد تفسر هذه الظاهرة بحداثة انفتاح الأفق العربي العام، على هذه النوعية من الملفات التي حجبت لأزمنة ممتدة. وهذا صحيح تماما، بيد أنه من الصحيح أيضا أن أكثر الأمم انبهارا بالدولة المدنية وانشغالا بفلسفتها وانغماسا في تطبيقها، ما زالت حتى الساعة تعيش مع الخلافات حول أصولها ومرتكزاتها، وتشهد المزيد من النقاشات والحوارات حولها.

ومن الحقائق التي تهوّن علينا وطأة الجدل العربي وتبرر قبوله بصدر رحب، وليس استسخافه، أن مصطلح "الدولة المدنية" لا وجود له في المعاجم السياسية حتى في عالم الغرب، الذي بادر إلى الأخذ بهذه الدولة وسعى لها سعيها منذ بضعة قرون.

على أن المتعارف عليه والمتوافق حوله لدى الأوساط المعنية بهذا المصطلح، أنه يشير إلى الدولة التي تحافظ على أعضاء المجتمع وتحميهم وتظلهم تحت جناحيها، وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن أصولهم القومية والدينية والمذهبية واختلاف ألوانهم وألسنتهم وتوجهاتهم الايديولوجية وقناعاتهم الفكرية والسياسية..

وهي الدولة التي لا يكون فيها لرجال الدين أو العسكر أو سدنة أية مؤسسة أو فئة بعينها، دور مميز في تقرير شؤون الحكم أو الهيمنة على المؤسسات الأخرى، ويخضع فيها الجميع، أفراداً ومؤسسات، لسيادة القانون، ويكونون سواسية في إبداء الرأي والمشاركة السياسية، ولا يحظى فيها حاكم أو جماعة بقداسة، ويجري الفصل بين سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية، ويديرها مدنيون منتخبون، يسألون عما يفعلون ويحاسبون، وفقا لآليات قانونية ودستورية.

بهذه المضامين، تبدو الدولة المدنية أقرب نماذج الكيانات السياسية إلى تصورات الحكم الديمقراطي.. والأرجح أن قناعة بعض القوى السياسية الناشطة عربيا، بهذه الميزات، ولا سيما ذات التوجهات الليبرالية والاشتراكية والقومية الرافضة لما يدعى الدولة الدينية، ساقتها للانحياز إلى هذا النموذج والتطلع للانتقال إليه، بعد تنظيف الفضاء السياسي العربي من النظم المستبدة.

لكننا نجادل بأن هذا النموذج قد لا يكون على ما يظن به أو يؤمل منه لدى المتحمسين له عربيا، بالنظر إلى تحفظات نعتقد وجاهتها.. فمن ناحية، لا تبدو الدولة المدنية بركائزها وسننها، وخاصة لجهة الفصل النسبي أو الكلي بينها وبين الدين، مفهومة خارج سياق التاريخ الغربي.

فالحكم الثيوقراطي باسم الإله، الذي أنتجه هذا السياق، لم يحدث في النسق العربي الإسلامي، والدول العربية والإسلامية التي حاولت استنساخ هذه الدولة ظلت أشبه بالمسخ، لصدامها مع القيم الإسلامية المتجذرة في تضاعيف مجتمعاتها.

ويتصل بهذا التحفظ، أن النظام المدني البحت للدولة، يبقى نتاجا بشريا لا يقدر على صياغة تشريعات تلبي حاجات الإنسان الروحية. فهذا النظام يبالغ جدا في ادعائه إمكانية تجرد المواطنين من انحيازاتهم الدينية والطائفية والقومية والايديولوجية وطبقاتهم الاقتصادية..

وهو يبالغ أكثر في زعمه المساواة بين الخلق بقوة القوانين الوضعية. وهذه المبالغة تتجلى عند ملاحظة أن أمهات الدول المدنية؛ العادلة؛ القانونية الدستورية، في عالمي الغرب والشمال، كانت الأكثر عدوانية واستعمارية تجاه الآخرين في الشرق والجنوب.

ومن ناحية ثالثة، لا يتوقف فقه الدولة المدنية كثيرا عند محتواها أو ركائزها الاقتصادية. ولو أنه فعل ذلك فلربما لاحظ ما يترتب على التفاوت بين الأغنياء والفقراء، بين من يملكون ومن لا يملكون، من تفاوت مواز في فرص الترقي الاجتماعي والنفوذ السياسي ومفهوم المساواة ذاته داخل هذه الدولة.

ومن ناحية رابعة، تقع السلطة في الدولة المدنية في أيدي أغلبية سياسية، بناء على انتخابات يساهم فيها مواطنون متساوون. وهذه آلية لا غبار عليها ديمقراطيا، لكنها قد تسمح في التحليل النهائي بنشوء ما يدعى بطغيان أغلبية، يكون الفارق بينها وبين من يتحولون إلى أقلية محدودا جدا..

الأمر الذي يؤدي إلى صدوع سياسية أو ايديولوجية، تلازم المجتمع طوال المواسم الانتخابية وما بينها من فترات. مثل هذه الأراجيف والمخاوف، تدعونا للاعتقاد بأن جدل الدولة المدنية قد لا يحسم عربيا في أجل قريب.