استفزني طوال الأسبوع الماضي، الإعلان الذي كان يُبَثّ في الإذاعة عن اعتزام إدارة المرور في إحدى إمارات الدولة، تنظيم مزاد لبيع أرقام السيارات يوم السبت الماضي.
مزادات الأرقام ليست شيئاً جديداً علينا، فقد بدأ تنظيمها منذ أكثر من عشر سنوات، وكانت الفكرة في البداية محل استغراب ودهشة من قبل فئة كبيرة من الناس، وكانت المزادات الأولى محل تندر لدى الكثيرين ممن لم يستوعبوا ما كان يحدث، بعد الكشف عن المبالغ المليونية التي دفعها بعض المزايدين لشراء الأرقام المميزة المطروحة في تلك المزادات، الأمر الذي جعل طبقات اجتماعية لم يكن معروفاً عنها الثراء تظهر على السطح، كشفتها المبالغ الكبيرة التي دفعتها لشراء هذه الأرقام.
حيث بدت هذه المبالغ للبعض خيالية، بينما رآها البعض الآخر طبيعية ومعقولة إزاء المظهر الاجتماعي الذي ستعود به الأرقام المميزة على أصحابها، وعدّها فريق ثالث وسيلة للاستثمار لا تقل أهمية عن الأسهم والعقارات ومجالات الاستثمار الأخرى، التي تخضع لقوانين السوق من حيث العرض والطلب.
كل هذا يبقى مجالاً مفتوحاً للاختلاف والاتفاق، تبعاً لطريقة تفكير كل واحد منا وما يراه صحيحاً أو خاطئاً، حتى أصبحت هذه المزادات مع مرور الوقت واقعاً لا يمكن التخلص منه بإعادة عجلة الزمن إلى الوراء. فأين هو الاستفزاز الذي نتحدث عنه في الإعلان المشار إليه إذن؟
الاستفزاز الذي نتحدث عنه يأتي من ثقافة الاستهلاك الخاطئة التي يرسخها مثل هذا الإعلان بطرحه وأسلوبه، حيث يبدأ بسؤال الزوجة زوجها عن الرقم المميز الذي يضعه على سيارته، وكيفية حصوله عليه، ليخبرها أنه قد اقتناه من مزاد لأرقام السيارات، ثم يضيف أن إدارة المرور في إحدى إمارات الدولة ستقيم مزاداً جديداً لبيع الأرقام المميزة، ويذكر لها تاريخ المزاد ومكانه، فتشجعه الزوجة على المشاركة فيه لشراء رقم مميز لها هي الأخرى، طالبة منه عدم تفويت هذه الفرصة.
السلبية الأولى التي يتضمنها الإعلان، هي أن الحوار فيه يدور بين زوج وزوجة، أي بين ربّ أسرة وزوجة يُفترَض أنهما ناضجان ومسؤولان عن بيت وأبناء، وهو ما يدحض الفكرة الشائعة عن أن هواة الأرقام المميزة هم من فئة الشباب الذين عادة ما نصفهم بعدم المبالاة، وأنهم غير مقدرين للمسؤوليات التي تنتظرهم، وهي الفئة المتهمة دائماً بالاهتمام بالمظهر على حساب الجوهر، والحرص على اقتناء آخر موديلات السيارات وأغلاها، والجري خلف الأرقام المميزة وما شابهها للتباهي بها.
أما السلبية الثانية فهي أن الزوجة في الإعلان تلعب دوراً تحريضياً، بالاشتراك مع الزوج، لإشاعة ثقافة التميز القائمة على المظاهر الخداعة، بدلاً من العمل على الحد من هذه الظاهرة والقضاء على هذا النمط من السلوك، وتوجيه الأسر إلى أن الاهتمام بالجوهر أكثر نفعاً من التباهي بالمظهر، خاصة وأننا نعيش في مجتمع يعاني من شيوع ثقافة الاستهلاك، وتراجع ثقافة الإنتاج، وعدم توجيه الصرف إلى النواحي التي تدعم كيان الأسرة الاقتصادي، بدلاً من تبديد مواردها في شراء أرقام سيارات لا تعلي من شأن الإنسان إذا كانت مميزة، ولا تنقص من شأنه إذا كانت غير ذلك.
وتتمثل السلبية الثالثة في أن هذا الإعلان وأمثاله قد يشجع على اللجوء إلى وسائل ضارة باقتصاد الأسرة، تحت ضغط السعي إلى تحقيق رغبة بعض أفرادها، إذ قد يضطر الزوج إلى الاقتراض كي يحقق رغبة زوجته التي تطلب منه شراء رقم مميز لها كما فعل لنفسه.
ولا يخفى على أحد أن أزمة القروض في دولتنا قد تفاقمت خلال السنوات الأخيرة وبلغت حداً ينذر بالخطر، إذ بلغ مجموع قروض المواطنين المستحقة في نهاية العام الماضي 48 مليار درهم، وفق بيانات المصرف المركزي التي أظهرت أن متوسط عدد القروض التي حصل عليها مواطنون خلال السنوات الست الماضية بلغ ثلاثة قروض، تندرج بشكل رئيس ضمن قرض السيارة، والقرض الشخصي، وقرض بناء مسكن.
وأشارت البيانات إلى أن النسبة الكبرى من إجمالي عدد المواطنين المقترضين، والتي تقارب 90% من مجموعهم، حصلوا على تمويل سيارة أو اثنتين، مما أدى إلى تعثر الكثيرين منهم، وصدور أحكام قضائية ضدهم لعجزهم عن سداد ديونهم، الأمر الذي حدا بصاحب السمو رئيس الدولة إلى إنشاء صندوق برأسمال بلغ 10 مليارات درهم، يتولى دراسة ومعالجة ديون المواطنين المتعثرين من ذوي الدخل المحدود، وإجراء تسويات للقروض الشخصية المستحقة عليهم، بالتنسيق مع المصرف المركزي والمصارف الدائنة في الدولة.
لكن السلبية الأكبر والأهم من بين كل السلبيات التي يمكن أن نتحدث عنها، هي أن هذا الإعلان صادر عن جهة أمنية شرطية، يُفترَض أن لا يكون الربح المادي ضمن أولوياتها، لذا فإن نشر ثقافة استهلاك من هذا النوع ليس من بين أهدافها.
وإذا كان لإدارات المرور مبرراتها لبيع الأرقام وإقامة المزادات الخاصة بها، وهي مبررات لا تخرج عن نطاق تمويل ميزانياتها وإيجاد مصادر للدخل فيها، فإن هذه المبررات ليست مسوغاً مقبولاً للترويج للمزادات بهذه الطريقة التي تتقاطع مع أهداف التنمية الاجتماعية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها، ومع القيم التي نحاول جميعاً غرسها وترسيخها في المجتمع، والتي يأتي على رأسها نشر مفاهيم الاستهلاك الصحيحة، وتصحيح الخاطئة منها.
ولا نعتقد أن إعلاناً مثل هذا يمكن أن يسهم في نشر المفاهيم الصحيحة وتصحيح المفاهيم الخاطئة، خاصة عندما يصدر من جهة أمنية لها رؤيتها ورسالتها وقيمها وأهدافها.