مصر هي الدولة العربية الأولى، والدولة الإفريقية الأولى التي أقامت علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، وكانت بينهما علاقات ثنائية ممتازة لسنوات طويلة، وشهدت حركة تبادل اقتصادي وتفاعل ثقافي طوال العقود الماضية، وقام بينهما تعاون وتنسيق في الشؤون الدولية والإقليمية، في إطار منتدى التعاون بين الصين والدول العربية، ومنتدى التعاون بين الصين وإفريقيا.

لمصر مكانة خاصة في علاقاتها مع الدول الكبرى، بصفتها الدولة العربية الكبرى، من حيث التعداد السكاني، والموقع الاستراتيجي، والدور الثقافي.

وقد حرصت مصر على تطوير علاقاتها الاقتصادية مع الصين واليابان ومجموعة النمور الآسيوية، فارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين من 610 ملايين دولار عام 1998، إلى أكثر من ستة مليارات دولار في عام 2008.

وتشير إحصاءات وزارة التجارة الصينية، إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 8.8 مليارات دولار في عام 2011، بزيادة 40 %، مقارنة بما كان عليه في عام 2008، ثم ارتفع في عام 2011 إلى 9 مليارات دولار.

وأبرزت إحصاءات رسمية لهذا العام، أن مصر صدرت إلى الصين بضائع بقيمة مليار ونصف المليار دولار، واستوردت منها منتجات بقيمة إجمالية بلغت سبعة مليارات ونصف المليار دولار.

اللافت للنظر، أن الرئيس المصري الجديد، الدكتور محمد مرسي، زار الصين يومي 27-29 أغسطس 2012، فاستقبله في بكين الرئيس الصيني هو جين تاو، في قاعة الشعب الكبرى، وأشاد بضيفه الكبير الذي تولى رئاسة مصر في 30 يونيو 2012، فاختار الصين في أول زيارة له إلى خارج دول الشرق الأوسط، مستبقاً بذلك زيارته المرتقبة قريباً للولايات المتحدة الأميركية.

ولهذا الاختيار دلالة واضحة، تعبر عن رغبة أكيدة في تطوير العلاقات الصينية - المصرية، لما لها من أهمية استثنائية في المرحلة الراهنة لكلا البلدين.

فالصين ومصر تنتسبان إلى حضارتين عريقتين، تفاعلتا منذ أقدم العصور، وكان لتفاعلهما أثر كبير في تطور الثقافة الغربية بجناحيها الأوروبي والأميركي.

رافق الرئيس مرسي في زيارته إلى الصين وفد اقتصادي كبير، ضم ثمانين رجل أعمال من مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية، ووقع الجانبان اتفاقيات عدة في مجالات متنوعة، طالت قطاعات الزراعة والاتصالات والسياحة والبحث العلمي.

وأكدت الصين استعدادها لتعزيز علاقات التعاون الاستراتيجي مع مصر، والارتقاء بها إلى مستوى أعلى في المستقبل، ووعدت بأن تقدم قرضاً بقيمة 200 مليون دولار للمصرف المركزي المصري، علماً بأن مصر تشهد مشكلات اقتصادية واجتماعية حادة، تتطلب جذب استثمارات صينية كبيرة، ومساعدات مالية وعينية سريعة لإنعاش الاقتصادي المصري الذي يمر بمرحلة من التأزم والركود والتضخم.

أكدت زيارة مرسي، رغبة مصر في الخروج من دائرة التبعية السابقة للإدارة الأميركية، عبر تطوير تنويع علاقاتها الدبلوماسية مع الدول الفاعلة في النظام العالمي الجديد، وفي طليعتها الصين. وتأمل مصر في جذب استثمارات صينية إضافية، لأن تلك الاستثمارات ضعيفة، قياساً إلى الحجم الكبير للفائض المالي الصيني.

وتوقع منسق البرنامج الاقتصادي لوفد رجال الأعمال المرافق للرئيس المصري، عقد شراكة اقتصادية مصرية صينية في مجال اللوجستيات والاتصالات والنقل والبنية التحتية، ترفع حجم الاستثمار الصيني في مصر من خمسمئة مليون دولار أميركي، إلى ملياري دولار خلال السنوات الثلاث القادمة.

على الجانب السياسي، تناولت المحادثات الأزمة السورية، وبدا تفاهم واضح حول معارضة الجانبين، الصيني والمصري، لأي تدخل عسكري خارجي في سوريا، وعلى ضرورة العمل المشترك لوقف فوري لنزف الدم في شوارع سوريا، وإيجاد حل سياسي سريع، يأخذ بعين الاعتبار المصالح الأساسية للشعب السوري، ويحافظ على وحدة سوريا، ودورها في منطقة الشرق الأوسط.

يولي الجانب الصيني اهتماماً ملحوظاً بتوطيد العلاقات مع مصر في كافة المجالات ذات الاهتمام المشترك، وتطوير العلاقات الثنائية، وفق أجندات مبرمجة في المجال الثقافي والتعليمي والعلمي، عبر تفعيل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم السابقة، وتوقيع المزيد منها لتوسيع دائرة التعاون وتبادل الخبرات.

وإضافة أنشطة وفعاليات جديدة، وتنشيط المكتب الثقافي المصري الذي افتتح في الصين في نوفمبر 2011، وهو أول مكتب ثقافي تفتتحه مصر في الخارج بعد ثورة 25 يناير 2011، ما يؤكد أهمية العامل الثقافي كجسر للتواصل بين البلدين وتبادل الخبرات، وتوفير فرص جديدة للتعاون، بما يحقق منافع مشتركة لكلا الشعبين.

وتولي الصين ومصر أهمية خاصة لدور ملايين الشباب لدى الجانبين، وضرورة إيجاد قنوات مباشرة للتواصل الفاعل في ما بينهم.

وذلك يتطلب زيادة المنح الرسمية والخاصة للشباب، والقيام بحملة واسعة للتعريف بالرموز الثقافية الكبيرة لدى الجانبين، وترجمة أعمالهم مباشرة إلى الصينية والعربية، بالإضافة إلى تنظيم أسابيع ثقافية تتضمن نشاطات فكرية وفنية متنوعة، وتوسيع دائرة التفاعل الثقافي والفني لتصل إلى الجماهير الشعبية في البلدين.

ومن المقرر أن تنشط حركة التبادل بين مصر والصين ابتداء من شهر سبتمبر 2012، بعد توفير المنح الدراسية والرعاية لما يزيد على 200 دارس مصري في الجامعات الصينية، في المرحلة الجامعية والدراسات العليا، وإنشاء قاعدة بيانات لهم، إضافة لتوفير عشر منح دراسية صينية لشباب مصريين.

فآفاق التعاون بين مصر والصين كبيرة جداً، وهي تمر بمرحلة اختبارية مهمة، بعد التغييرات الكبيرة التي شهدتها مصر الثورة.

ويأمل الجانبان أن يتطور التبادل التجاري والتعاون العلمي والتكنولوجي بينهما، وأن يتم تنشيط منتدى التعاون الصيني- العربي والصيني - الإفريقي في مجالات العلوم والتكنولوجيا، بالتعاون مع وزارة العلوم والتكنولوجيا الصينية.

وهو يوفر التدريب لشباب مصر في مجالات عدة، منها تكنولوجيا الفضاء، ومكافحة التصحر، والتدريب الصناعي، وحماية البيئة، والمشاركة في حل مشكلات الطاقة، والمياه، والنقل، والسياحة، وغيرها.

ختاماً، تندرج زيارة الرئيس المصري للصين، ضمن استراتيجية متكاملة للارتقاء بالعلاقات الاقتصادية والثقافية المصرية مع الصين ودول آسيوية أخرى.

لكن مصر تتعرض لضغوط أميركية وإسرائيلية متزايدة، نظراً لأهمية دورها الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط، التي تشهد حالياً تبدلات دراماتيكية.

ويخطط الجانبان المصري والصيني لبناء علاقات استراتيجية، استناداً إلى تاريخ طويل من الود المشترك بين البلدين، ومن تقدير الصين لدور مصر الفاعل في الشرق الأوسط.

وهي فرصة ثمينة تسمح لمصر بتعزيز علاقاتها الاستراتيجية مع الصين وباقي الدول الآسيوية، وفك ارتباطها التبعي بالأميركيين، والتخلص من قيود اتفاقيات كامب ديفيد مع إسرائيل.