في ظل السيل المنهمر من الأخبار، والتي يعجز عن متابعتها أولو القوة والهمة من المشاهدين، توقفت عند نشرة أخبار لدولة عربية شقيقة، وإذا بمقدم النشرة يذكر ضمن أخبارها الرئيسية «أنه في إطار التعاون المشترك والعلاقات العميقة قدمت إيطاليا منحة غذائية بقيمة اثنين مليون يورو»، وبدأ يسرد تفاصيل الخبر وأنواع السلع الغذائية التي يتم شراؤها بهذه المنحة، وأهميتها في سد العجز لكثير من المواطنين، ثم قدم تقريراً يصور أنواع السلع، موضحاً على كل وحدة منها أنها منحة من الحكومة الإيطالية، ثم أجرى لقاء مع مسؤول من البلد العربي ليوضح دور إيطاليا في تقديم الدعم، أعقبه لقاء مع السفير الإيطالي حول الجانب الإنساني للسياسة الإيطالية ودورها في تقديم الدعم للبلاد النامية.

والحق أن ما استوقفني وجعلني أسرد هذا الخبر عدة جوانب، أولها أنه جاء في نشرة أخبار رئيسية، على الرغم من أن المنحة ليست بهذا الحجم الذي يستحق أن يكون جزءاً من نشرة أخبار على قناة رئيسية، كما أنه لم يقدم في شكل خبر مجرد، ولكن صحبه تقرير مصور للمواد الغذائية التي تحمل شعار المساعدات الإيطالية، ثم لقاء مع المسؤول العربي يشيد بعمق العلاقات بين البلدين، ثم لقاء مع السفير الإيطالي..

كل هذا يتم مقابل منحة ليست نقدية بقيمة «اثنين مليون يورو»، تم استغلالها بشكل حقق دعاية لإيطاليا في المنطقة العربية والعالم، تفوق قيمتها بمراحل! وما استرعاني هو قدرة هذه الدول على صناعة صورة ذهنية، مستغلة في ذلك كافة الأدوات المتاحة مهما كانت القيمة المقدمة، وهذا حقهم ولا ضير في ذلك.

وهنا تساءلت عن حجم ما تقدمه وما تقوم به دولتنا الحبيبة، حتى أكاد أجزم أنه لا توجد بقعة في الأرض تطلب العون إلا والإمارات تكون في مقدمة الركب، وحتى الدول التي لم تطلب تبادر دولتنا المعطاءة إلى أن تكون باباً واسعاً من أبواب الخير، وإذا تم الإعلان عن تلك العطاءات رغم غزارتها وشهد بها العالم عرباً وغير عرب، تكون على استحياء وكأننا نخشى أن يتصور الآخرون أننا نمن عليهم بذلك، على الرغم من أن الإمارات تنتهج تلك السياسة من منطلق الواجب الإنساني الذي ارتضته لنفسها ودأب عليه قادتها خلفاً عن سلف.

كما أنه عندما يتم ذكر ما تقوم به الإمارات من مد أيادي الخير، يتم التعامل معها في شكل أرقام مجردة، وهنا أتساءل كيف يحول غيرنا عطاءاته مهما كانت بسيطة في صورة قصص إنسانية لافتة ومؤثرة؟ وكيف حولنا نحن عطاءات دولتنا إلى أرقام رغم غزارتها؟!

ولا شك أن ذلك يتطلب التوقف أمامه كثيراً، وهنا أؤكد بالتكرار ليس من باب المن، ولكن من باب تأكيد الدور الإيجابي لدولتنا في محيطنا الإقليمي والعالمي، بما يسهم في صناعة الصورة الوطنية الحقيقية بناء على معطيات الواقع وإشاراته، خاصة وأن صناعة الصورة الوطنية للدول من أهم أدوات الدولة في تنفيذ سياستها في محيطها، وهو ما يجعل لأبناء الإمارات مكانة خاصة في كل أرض تطؤها أقدامهم.

إن صناعة الصورة الوطنية هي إحدى أهم أدوات الدولة في سياستها الخارجية، كما أنها مكون أساسي من مكونات القوة الناعمة للدولة، خاصة وأن دولتنا الحبيبة تملك من الرصيد على المستويات العربية والإقليمية والدولية، ما يجعل صورتها ناصعة مشرقة شروق الشمس في رابعة النهار، عبر سنوات من العطاء غير المحدود، فضلاً عن حالة من التسامح في نفوس أبنائها جعلت ما يزيد على مائتين وخمسين جنسية يقطنون ديارنا، لا يشعرون بالتمييز ضدهم أو انتقاص حق من حقوقهم، وهو ما تؤكده كافة التقارير الدولية كل صباح، والتي جعلت من دولتنا الحبيبة الأكثر جذباً للكفاءات في كل مجال.

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على توافر مناخ يقدر الكفاءات، ويسمح بإطلاق الإبداعات من خلال بيئة صحية، فضلاً عن اعتزاز بهوية وطنية ذاتية محددة نسعى إلى تعميقها في نفوس أبنائنا، من منطلق تحقيق التماسك المجتمعي، إضافة إلى مسيرة حضارية ممتدة كانت وما زالت تضرب المثل في التحدي وقهر الصعاب، واتحاد تتوثق عراه يوماً بعد يوم، ورموز تاريخية وضعوا أسساً فريدة للعلاقة بين القائد والشعب تميزت بها البيئة السياسية الإماراتية، وحالة من الاعتزاز جعلت من شعوبنا الأكثر رضى، فضلاً عن قفزات تنموية جعلت الباحثين يراجعون ما تتم دراسته من نظريات حول المراحل التي تمر بها المجتمعات التنموية..

كل تلك المحطات تؤطر صورة وطنية تستحق أن ندُق عليها إعلامياً دقاً منتظماً، خاصة أنها شهادات جاءت من المجتمع الدولي قبل المحلي، وهو ما يجعل الطريق إلى ذلك ممهداً.

ويقيناً أن من أهم أدوات صناعة الصورة الوطنية، هي وسائل الإعلام التي تستطيع أن تعظم من الحضور الدولي للدولة، فضلاً عن صناعة صورتها بملامح تحددها، ويتعاظم تأثيرها إذا كانت مستندة إلى معطيات حقيقية على أرض الواقع لا تحتاج غير تحديد أولوياتها.

لقد ولى ذلك الزمان الذي كانت تعتمد فيه الدول على القوى العسكرية في فرض نفوذها، وأصبح تأثير الصورة الوطنية يأتي بنتائج تفوق استخدام القوة العسكرية، في وقت تعاظم فيه دور التكنولوجيا وباتت ثقافة الصورة هي السائدة.

ولقد عانت دولنا العربية على مدار سنوات من ظلم إعلامي دولي مقصود، لا يرى إلا زاوية واحدة وضعها في قالب نمطي يجافي الواقع ويخاصمه، وآن الأوان لأن نضع خطة استراتيجية وطنية لصناعة الصورة الوطنية، مبنية على دلائل وحقائق شهد بها القاصي والداني، وحان الوقت لتأخذ مكانتها الإعلامية التي تستحقها، منطلقة من فهم حقيقي للعوامل الفاعلة في تشكيل وبناء الصورة، وكذلك فهم سيكولوجية الشعوب، وهنا يأتي دور المتخصصين في علم النفس والاجتماع، فضلاً عن كيفية استخدام كافة الوسائل المتاحة باحترافية ومهنية.

في يقيني أن ما حققته دولتنا المعطاءة من مكانة عالمية، جاء من قوة الدفع الذاتية لواقع يؤكد تلك المكانة، لكنه لم يستغل إعلامياً بالشكل الذي ينبغي، وهو ما يؤكد أهمية استغلاله لتأكيد تلك الصورة، مستندين إلى تاريخنا وتراثنا ومؤكدين على هويتنا.