الشركات العائلية والإطار المؤسسي

كعادتي في كل عيد، ذهبت إلى محل الخياط الذي يملكه عجوز آسيوي اعتدنا منذ الصغر أن نوكل إليه مهمة خياطة ملابس العيد، هذا العجوز الذي رسمت سنوات العمل الطويلة والمضنية خطوطها على ملامحه، بدأ عمله منذ العام 1975 في محل متواضع للخياطة، ثم أصبح اليوم يملك ثلاثة محلات يعمل فيها قرابة عشرين عاملًا معظمهم من الأبناء والأحفاد والأقارب، فهو لا يسمح لغير أفراد العائلة بالمشاركة في الإدارة، منعاً للحسد وحفاظاً على أسرار المهنة، كما يقول صديقنا العجوز.

هذا الإصرار على إبقاء دائرة العمل مغلقة على أفراد العائلة، دفع إلى ذاكرتي بالمصمم الإسباني الشهير "أمانسيو أورتيغا" مالك سلسلة محلات "زارا" الشهيرة، والذي أسس متجره الأول (زارا) في إسبانيا في العام نفسه الذي أسس فيه ذلك الخياط محله الصغير، وظل "أمانسيو" هو الآخر مصراً على إبقاء إدارة أعماله حكراً على العائلة، حتى عام 1985 حين قرر الخروج من عباءة الشركات العائلية التي تعتمد على مؤسسها وأفراد عائلته.

فقام بتعديل الهيكل المؤسسي للشركة، بتأسيس شركة هي "إنديتيكس القابضة" وإعطاء دفة الإدارة إلى رئيس تنفيذي محترف عمل سابقاً في شركة "أي بي إم"، لمساعدته في التوسع في الأسواق العالمية، وفي عام 2001 استطاعت الشركة طرح أسهمها للاكتتاب العام بنجاح، وتحولت من شركة عائلية إلى شركة مساهمة عامة لها رئيس تنفيذي ورئيس مجلس إدارة مستقل عن مؤسسها الذي أصبح مساهماً وعضو مجلس إدارة، ولم يرتق حتى لمنصب رئيس لمجلس الإدارة، وأصبحت للشركة فروع في أكثر من 80 دولة، وباتت تملك أكثر من 5618 متجراً، ويعمل لديها قرابة 34 ألف موظف، وقُدرت عوائد الشركة الأم في عام 2011 بنحو 14 مليار يورو.

وقصة نجاح "زارا" في إسبانيا تعود إلى عدة أسباب، أهمها فكرة المشروع المميزة، والابتكار والتجديد. أما قدرتها على التوسع دولياً فتعود إلى أسباب مختلفة، أبرزها فصل الملكية عن الإدارة، ومشاركة عناصر جديدة من خارج العائلة، بالإضافة إلى الإفصاح والشفافية ووضع آلية لصناعة القرارات، بعيداً عن الاستبداد والتفرد والعواطف التي تغلب على أصحاب الشركات العائلية.

وتعتبر الضغوط المالية والبحث عن التوسع وإيجاد الكفاءات التي يمكنها قيادة الشركة لمواصلة نموها، من أكبر التحديات التي تواجه معظم الشركات، سواء العامة منها أو الخاصة، إلا أن الشركات العائلية تواجه تحديات أكبر واستثنائية، مثل إيجاد هيكل مناسب للحوكمة المؤسسية للشركة، قادر على تحديد المسؤوليات والحقوق والاتصال بين الهيئات الإدارية الرئيسية في الشركة، وإيجاد آلية لحل النزاعات العائلية التي قد تؤثر على صيرورة أعمال الشركة وديمومتها.

 وتشير الدراسات الحديثة إلى أن 5٪ فقط من الشركات العائلية، قادرة على النمو والاستمرار بعد الجيل الثالث من الأبناء، أي جيل أحفاد المؤسسين.

والانتقال من الجيل الثاني من أبناء مؤسسي الشركة إلى الجيل الثالث، من أصعب المراحل في حياة هذه الشركات، حيث يبدأ ظهور الانشقاقات والتحالفات غير المرغوبة في العائلة، وقد تنتقل هذه الخلافات الأسرية إلى أعمال الشركة وإدارتها. لذا من الضروري إيجاد آلية مناسبة للتعامل مع هذه النزاعات بطريقة فعالة، ومن دون التأثير على نمو الشركة وأعمالها.

وقد قام بعض الشركات العائلية الكبيرة في دول الخليج بتبني آلية جديدة، وهي إنشاء مجلس عائلة أو جمعية عائلية تساعد على جمع أفراد العائلة ضمن هيكل واحد منظم، لحل الخلافات ووضع رؤية واضحة لأعمال الشركة، ما يساعد على زيادة التفاهم والانسجام بين أفراد العائلة، وحل النزاعات في إطار ودي، من دون التأثير على الشركة وإدارتها العليا، ولعدم خروجها من نطاق الأسرة إلى المحاكم والإعلام.

وبالإضافة إلى نظام الحوكمة الخاص بأفراد العائلة، فإنه من المهم إعداد هيكل مناسب لمجلس إدارة الشركة والإدارة العليا، ووضع نظام مناسب للحوافز يساعد على استقطاب الكفاءات من خارج العائلة، لوضع الاستراتيجيات المناسبة للشركة ومراقبة أداء الإدارة بشكل أكثر فعالية واستدامة، على أن تتم التعيينات على أساس الكفاءة والجدارة، وليس على أساس العلاقة مع العائلة.

وفي الخليج العربي 90٪ من النشاط التجاري والمعاملات التجارية تكون الشركات العائلية طرفاً فيها، لذا يعد هذا القطاع من أهم القطاعات التي تحتاج إلى إعادة هيكلة وتنظيم من الدولة، لا سيما وأن معظم الشركات العائلية المؤثرة في الاقتصاد الوطني، بدأت بدخول حقبة الجيل الثالث من دون وجود أي تنظيم مؤسسي أو حوكمي. فهل بات الوقت مناسباً لتدخل الدولة وتبني مبادرات إلزامية تُجبر هذه الشركات على استحداث وتطبيق مبادئ الحوكمة حفاظاً على الاقتصاد الوطني؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات