من عاين الصورة الإجمالية للثقافة السياسية العربية على امتداد الشهور العشرين المنصرمة من الثورات المتنقّلة، سوف تظهر له حالة غير مسبوقة من الشغف بالتحيّز والانتماء لدى المثقفين، على اختلاف أهوائهم وتياراتهم. وتلك خاصية ينبغي لها أن تُدرس بعمق، ذلك أنها، بقدر ما تدل على مغادرة الكسل واللامبالاة، فهي تدل على اضطراب في المواقف، تعكسه الطبيعة القلقة والرمادية لحركة الشارع العربي.. لنقرأ الصورة بشيء من التأنّي.
أسفر الشارع العربي عن حقيقة، مؤداها أن من يكتب على نفسه التحيّز، هو على يقين من أنه أخذ بالصواب. حتى أولئك الذين مارسوا لعبة العبور الإيديولوجي من اليسار الثوري إلى اليمين المحافظ، ودخلوا في إطار ما اصطلحنا عليه بـ «مثقفي ما بعد الحداثة العربية»، صار من المتعذّر محاكاتهم، تبعاً لشروط ومعايير ثقافتهم المنقضية. المسألة تبدو نسبية بامتياز، وفي تمرينات الشارع العربي، لا تفتأ هذه النسبية تتأكد على نحوٍ بيِّنٍ. ومن هذا الوجه، ربما علينا أن ننطلق لإيضاح أمرين متلازمين، يفترضهما الكلام على التحيّز: الأول؛ وجوب تحديد معنى التحيّز في مقام النظر والعمل.. والثاني؛ وجوب التمييز بين التحيّز الخلاّق والتحيّز المذموم.
غالباً ما تفلح منطقة التحيّز الإيجابي في الجمع بين المتباينات، وفي التقريب بين المتباعدات، وفي تحقيق الوئام والتفاعل يبن الوحدة والكثرة. وهذا بالفعل ما نرمي إليه، حين نتحدث عن المُمارسة الخلاّقة للمثقّف المتحيّز. مثل هذه الممارسة تصدر بلا ريب عن تبصُّر متسامٍ بالأحداث، أو عن مبتعثٍ نبيلٍ، أخذ به المتحيّز لتحقيق غاياته الكبرى.
فالتحيّز بالمعنى الذي نتناوله، هو من صميم المعطى الإنساني ومرتبط بإنسانية الإنسان، فكل ما هو إنساني يحوي قدراً من التفرّد والذاتية. وإذا ما حدّدنا الحضارة بأنها كل ما صنعته يد الإنسان، فإنّ المثقف هو بالضرورة متحيّز. بل إن ما يوجد في الطبيعة يُجسّد تحيُّزاً، إذ إن الإنسان هو الذي يجد الشيء الطبيعي، حتى لو عثر عليه بالصدفة. وهذه ليست عملية عشوائية، وإنما هي نتيجة إدراك إنساني فعّال، وحينما يجد الإنسان الشيء الطبيعي فإنه يسمّيه، أي أنه يدخله في شبكة إدراكه، وينقله من عالم الطبيعة والأشياء إلى عالم الإنسان، بكل ما يكتنزه هذا العالم من أفهام ومعارف وأفكار.
لكن من المفيد الإضاءة مجدداً على المفهوم، ونحن نتحدث عن التحيزات التي عصفت بالبيئات الثقافية العربية. فإذا كان التحيّز من بديهيّات التفاعل الاجتماعي، وبما هو حاصل التنوّع والتعدد في عالم الكثرة، فهو بالنسبة للإنسان، فرداً أو جماعة، نظير قانون الجاذبية بالنسبة إلى عالم الطبيعة. فكلّ ما فيه محكوم بهذا المبدأ التكويني، وواجب عليه، استطراداً، التكيُّف مع قوانينه ومقتضياته. ذلك يعني أنّ التحيّز هو حضور في السنّة التاريخية، بينما يشير عدم التحيّز ـ وذاك محال كما مرّ معنا- إلى مفارقة لهذا الحضور، بل هو في أفضل أحواله، ضربٌ من التّنحّي عن مهمّة يظنّ فاعلها أنه يحسن صنعاً، حين يُعرض عن شأنٍ لا يعنيه.
ومهما اتّسعت أرض الحيلة لدى «اللاّ متحيَّز»، من أجل أن يعلن أمام الملأ حياده، فلن يقدر على ذلك، فهو لا مناص عائدٌ إلى تحيّزٍ ما، ابتغاءً لغرض أو مصلحة أو فتنة. ففي الحقول السياسية العربية المحتدمة، ما يُنبئ عن كمٍّ هائل من القيم المؤسسة على المنفعة. وهي حين تظهر في السلوك العام الفردي والجماعي، فإنما على صورة رياء سياسي منقطع النظير. وهذه الخصيصة المذمومة، أي «الرياء»، غالباً ما تكون مستورة في مقام الجماعات، بادية وجلية في حياة الأفراد. ولقد بيّن علماء الأخلاق أن «المُرائي» هو من يُظهر الجميل لكي يبلغ غايته، حتى لو جاءت حصيلة عمله غير أخلاقية.
أما التحيّز الخيِّر فله أوصاف مغايرة، وهو ما يترجمه الولاء إلى قضية تنتسب إلى الخير العام، حيث يعمل المتحيّز على العناية بها، والكفاح من أجلها، والشهادة عليها بالقول والعمل. وهو إذ يفعل ذلك لا يبتغي الثناء من أحد على ما فعل، وإنما يكون عمله كله تحقيقاً للخير العام، انطلاقاً من صدق إيمانه بالقضية التي والاها وتحيّز لها بصدق. وبذلك يصح أن نطلق على هذا النوع من الولاء «التحيّز الخلاّق»، إذ من مزايا المتحيّز داخل هذا المقام، الأخذ بالخَيْريّة سبيلاً ومقصداً، حيث تتوحّد مساعيه مع غاياته، إلى المدى الذي تكون فيه مقولة الإحياء الحضاري، في حركته ونشاطه، محمولة على نصاب التبصُّر الخُلُقي، كسياق ضروري لبلوغ الخاتمة السعيدة للتاريخ.
ومن البيّنات العملية عما نحن بصدده، أن طائفة واسعة نسبياً من المثقفين العرب، فضلاً عن مثقفين من بلاد إسلامية ذات صلة بالحادث العربي، انبرت إلى اعتماد منهج ذرائعي يسوغ لانقلاباتها السياسية والفكرية، ويلبي حاجتها إلى مظلّة إيديولوجية تمنحها القدرة على تغطية مواقفها.
ولا ضير لدى هذه «الطائفة من المثقفين» لو خَلَع خصومُها عليها ما هو مرذول من الصفات؛ كالارتداد على البديهيات، أو الإعراض عن الولاء للقضايا الوطنية، أو قبول الاحتلال الأجنبي. وهذه الصفات تكاد تشمل سائر الأطياف المشكّلة لهذه الطائفة، إذ غالباً ما يُظهر هؤلاء قولاً سياسياً يبرّرون فيه التدخّل الأجنبي بذريعة مؤداها: «الالتقاء الموضوعي مع الغرب على أرض مشتركة»، في سبيل إسقاط نظام استبدادي.
وإذ يمضي هذا «النوع الثقافي» إلى ما يخالف البديهيات، فإنه لا يفتأ حتى يضطر إلى البحث في قواميس الفكر السياسي، ليعثر على ما يوفّر له ظلاً إيديولوجياً يمنحه اليقين.
في اختبارات التحول العربي، بدا وكأن الجميع بات أمام المعادلة الآتية: أنت متحيز، فهذا معناه أنك حاضرٌ في الزمان، وأنك قابض على ناصية أمرك مهما انقلبت الموازين، أو اختلَّت شروط المواجهة. ومتى كنت كذلك، فإنك لن تخسر من قناعاتك مقدار أنملة، فأنت على ولائك، ولن يملك عدوُّك أن يثنيك عنه. وحتى لو غلبك هذا العدو، أو تفوَّق عليك في برهة من زمن، فإنك محمول بما أنت عليه من يقين، على قلب الصورة. فلسوف تسعى بولائك هذا إلى أن تمحو غـَلـَبـَته عليك، بغلبتك عليه.