إذا صحت قراءتنا للمؤشرات والدلالات التي تقود إليها التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية التونسي رفيق عبد السلام، حول بقاء حزب "النهضة" لسنوات طويلة في الحكم، فإن ذلك يعني أننا مقبلون على مرحلة جديدة من الانفراد بالسلطة.
ربما تفوق مرحلة ما قبل الربيع العربي، وهي مرحلة قد تكون السيطرة فيها على مفاصل السلطة أكثر سهولة من سابقتها، بعد أن تم إضعاف أجهزة الأمن والشرطة التي استخدمتها الأنظمة السابقة لقمع الشعوب وقهرها، ففقدت هيبتها بعد زوال تلك الأنظمة، ولم تعد لها تلك الهالة بعد إدانة ممارستها، ومحاكمة رؤسائها، وكشف الأدوار التي لعبتها في حماية فساد الأنظمة، والمشاركة فيه، وإذلال الشعوب لصالح رأس النظام والدوائر المقربة منه.
وزير الخارجية التونسي الذي يرتبط بعلاقة مصاهرة مع رئيس حركة "النهضة" الشيخ راشد الغنوشي، كان قد أكد في تصريحات أدلى بها في اجتماع لأعضاء الحركة عقد في منطقة حمام سوسة بالساحل الشرقي، أن الحكومة الحالية بقيادة حركة "النهضة" ستستمر في الحكم لسنوات طويلة قادمة في تونس، وهو ما أيده رئيس الحركة واعتبره تقديرا لموقف، في وقت لا يوجد فيه بديل لحركة "النهضة" في تونس، مضيفا أن عديد السياسيين يجمعون على أنه ليس هناك بديل للحركة.
وبالتالي هي من سيحكم تونس خلال السنوات المقبلة، لأن بقية الأحزاب ضعيفة، ولم يتشكل حتى الآن أي حزب قادر على تحمل أعباء الحكم، وأن الحركة تمثل اليوم العمود الفقري للسياسة في تونس، لأنها هي القوة الساسية الوحيدة القادرة على تجميع الشعب.
خطاب يذكرنا بخطابات أحزاب وحكومات أنظمة دول الربيع العربي السابقة، ومنطق لا يختلف عن منطق رؤساء تلك الأنظمة الذين كانوا يقبضون على مفاصل السلطة ويعتقدون أنهم يحكمون قبضتهم تلك عليها، ويلقون في روعنا أنهم القادة الملهمون الذين لن يجود الزمان بمثلهم، وأنهم وحدهم القادرون على تحمل مسؤولية الحكم، وأنهم مستعدون للتخلي عنه عندما يجدون من هو أقدر منهم على القيام بمهامه وتحمل مسؤوليته.
ويحضرنا هنا جواب الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، عندما سأله أحد الصحافيين الأجانب في مؤتمر صحفي مع رئيس الوزراء الإيطالي في روما عمن سيخلفه في الرئاسة، فأجاب: "الذي يعلم من سيكون خليفتي في رئاسة مصر هو الله".
وعندما سأله الصحفي مرة أخرى: من تفضلون يا فخامة الرئيس؟ أجاب: "من يفضل الله أفضله أنا".
ثم علق قائلا: "هذا سؤال دمه خفيف". هذه القدرية، وهذا التسليم بحكم الله يتناقضان مع الواقع الذي عشناه، ومع الحقيقة التي لم يسلم أولئك الرؤساء بها، فمضى بعضهم حتى نهاية الشوط في مقاومة الإرادة الإلهية، حتى اضطر مرغما إلى التسليم بها، أو انتهى مقتولا وممثَّلا به على نحو لم يتصور بشاعته أكثر المتشائمين ممن تابعوا قصة صعوده إلى السلطة ومراحل تطورها؛ منذ البداية وحتى إغلاق الستار على آخر فصولها.
لقد ظل ادّعاء خلو الساحة من القيادات والأحزاب القادرة على تحمل أعباء الحكم، هو الذريعة التي تتمسح بها أنظمة ما قبل الربيع العربي، وتتخذ منها مشجبا تعلق عليه أسباب استمرارها في السلطة وهيمنتها على البلاد والعباد، حتى هبت رياح الربيع العربي فأزالتها.
لذلك ليس من المقبول إطلاقا أن تستخدم الحركات والأحزاب التي جاءت على ظهر ثورات الربيع العربي، أو قطفت ثمارها، الذريعة نفسها لتبرر لنا نيتها وتخطيطها للبقاء سنوات "لا يعلم إلا الله عددها" في السلطة، بحجة أنه لا يوجد بديل لها، أو لأنها هي القوة السياسية الوحيدة القادرة على تجميع الشعب.
فالشعوب التي خرجت إلى الميادين والشوارع من تلقاء نفسها لإزاحة تلك الأنظمة العتيدة، قادرة على الخروج مرة أخرى لإزاحة الحركات التي تريد استنساخ تلك الأنظمة تحت مظلة الديمقراطية، وبأشكال أخرى أشد خطورة، لأنها تتم هذه المرة باسم الدين، وتلجأ إلى تكفير كل من يعارضها، ولا يتورع بعض أعضائها عن هدر دم معارضيها إذا اضطروا إلى ذلك.
إن الحالة التونسية ليست إلا مثالا على ما أفرزته ثورات الربيع العربي من صعود للحركات الدينية إلى سدة الحكم، ومن ثم فرض هيمنتها على كل الأجهزة، وأولها أجهزة الإعلام التي وضعت تلك الحركات، أو تسعى إلى وضع المنتمين إليها والموالين لها على رأسها، رغم تأكيدها أنها "لا ترغب في السيطرة على وسائل الإعلام، لكنها في المقابل لن تسمح للإعلام بأن يتحول إلى منابر معادية لعمل الحكومة" وفق تصريح وزير الخارجية التونسي في اجتماع أعضاء حركة "النهضة" ذاته، وهو تصريح يحمل في داخله من المتناقضات ما يثير الاستغراب والدهشة.
هذه الهيمنة بدت واضحة في ملاحقة المعارضين ومقاضاتهم بتهمة "التآمر لقلب نظام الحكم"، التي هي من موروثات الأنظمة المخلوعة، كما تجلت هذه الهيمنة في حبس بعض الصحافيين بتهمة إهانة رأس النظام، وإغلاق بعض القنوات التلفزيونية، ومحاصرة مكاتب واستديوهات القنوات التي لها مواقف معارضة لحكومات الربيع العربي الجديدة، ومنع بعض الكتاب من الكتابة والنشر في الصحف القومية.
ومشاهد كثيرة أورد بعضها الكاتب والروائي المصري "يوسف القعيد" في المقال الذي نشره على موقع صحيفة "المشهد" الإلكتروني تحت عنوان "لا سمع ولا طاعة"، بعد أن منعت جريدة "الأخبار" القومية نشره، وختمه قائلا إن "من جاءت بهم الحرية ضاقوا ذرعا بعد شهر من ممارستها، ومن جاءت بهم الديمقراطية وقفوا ليقولوا لنا إنهم يؤمنون بديمقراطية المرة الواحدة، وهي المرة التي تأتي بهم، وبعد ذلك تصبح الديمقراطية حراما حراما".