في الأجواء التي صاحبت لقاء قيادات عراقية في العاصمة الكردستانية أربيل في أبريل المنصرم ثم في النجف ثم في أربيل ثانية انشغل الشارع العراقي بأحاديث تدور حول مشروع حجب الثقة عن رئيس الوزراء العراقي، خاصة بعد أن تبنت هذا المشروع ثلاث كتل نيابية كبيرة .

هي التحالف الكردستاني وائتلاف العراقية وكتلة الأحرار ، فمجموع الأصوات لدى هذه الكتل أكثر من كاف لتمرير المشروع في المجلس النيابي حسب الدستور، إلا أن هذا المشروع قوبل بمشروع معاكس طرحه التحالف الوطني الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء وهو القيام بالإصلاحات .

وخلال الأشهر التي تلت تمكن التحالف الوطني الذي يقود العملية السياسية من خلال استغلاله لنقاط الضعف لدى الجهة المقابلة وبسبب امتلاكه لمؤسسات الدولة وما تتيحها له من قدرات وتحركات من امتصاص المخاطر التي تهدد الحكومة تدريجيا .

بحيث تحول الحديث عن حجب الثقة إلى حديث ، على استحياء ، عن استجواب رئيس الوزراء في المجلس النيابي بعد أن انسحبت كتلة الأحرار من المشروع، وبعد أن تمزقت القائمة العراقية، وعاد أحد أبرز قادتها إلى منصبه كنائب لرئيس الوزراء.

الحديث عن الإصلاحات ذو شجون لا حصر لها فتحقيقها بات أشبه بالمعجزة بعد مرور عشر سنوات على فوضى مطنبة، فهل يتمكن التحالف الوطني الذي يقود العملية السياسية من القيام بذلك حقاً، أم أن ما يطرحه لا يعدو أن يكون فصلاً جديداً من المزايدات التي بات يتقنها السياسيون؟

إن مجرد طرح التحالف الوطني مشروع الإصلاح هو اعتراف ضمني بوجود قصور في بنيته أو تقصير في أدائه واعتراف في الوقت نفسه بقدرته على التقويم ، أو الادعاء بذلك ، إلا أنه لم يكن في نيته أن يفعل ذلك لو لم يتعرض إلى التهديد بحجب الثقة عن رئيس الوزراء وفي هذا ما فيه من فقدان للنوايا الحسنة والحقيقية في العمل السياسي.

لم توزع ورقة الإصلاحات بعد لأن التحالف نفسه غير متفق على بعض بنودها، إلا أن أطرافه رغم خلافاتهم لن يتفقوا بكل تأكيد على إصلاحات تضعف من قبضة هذا التحالف على الحكم الذي هو في الحقيقة جوهر الخلاف بين الفرقاء في العملية السياسية.

ورغم أن مشروع الإصلاح قد طرح بغية إرضاء بعض القيادات السياسية إلا أنها لم تعرها اهتماماً يذكر ، فهي تحظ بتعاطف من قبل كتلة الأحرار واعتبرها رئيس إقليم كردستان مضيعة للوقت، ووصفها رئيس ائتلاف العراقية بأنها للمماطلة والتسويف ، وهي في أحسن حالاتها خارطة معدلة لإدارة الخلافات بين الفرقاء في العملية السياسية.

الإصلاحات في العراق أصبحت مهمة غير ممكنة التحقيق لأن الطبقة السياسية التي وضعت قواعد اللعبة السياسية غير راغبة في الخروج عن هذه القواعد، ناهيك عن كونها غير قادرة على ذلك حتى لو رغبت. فالعيب يكمن في ثوابت هذه القواعد وهو التوافق الذي لم يتوقف عند حد تبادل المغانم، وإنما تجاوز ذلك إلى التغطية المتبادلة على الانتهاكات والمخالفات والفساد بمختلف أشكاله.

الأزمة الحقيقية في العراق ليست كما تعكسها وسائل الإعلام، وليست كما يستنتجها الراصد من خلال التصريحات المدروسة والعشوائية التي تطلق من مكاتب الرئاسات الثلاث أو من قبل آخرين في مواقع أخرى.

للتعرف على هذه الأزمة وأبعادها ينبغي على الراصد أن يغادر المنطقة الخضراء ويتناسى ما يدلي به هذا المسؤول أو ذاك من تصريحات ، ويغض الطرف عن المناكفات التي تحدث تحت قبة المجلس النيابي.

عليه أن يتوجه نحو الشارع في العاصمة وفي المحافظات الأخرى ليتعرف على نمط حياة الناس في المدن والقرى والقصبات، ويستمع إلى ما يقولون ويتحسس ما يشعرون.

عليه أن يزور المدارس والمستشفيات ليرى مستوى الخدمات التي تقدمها الدولة ، يرتاد الجامعات ويتحسس مدى قدرات أجوائها على تحقيق الحد الأدنى من متطلبات الحياة الأكاديمية ، يجلس في المقاهي الشعبية ويستمع لحديث الشباب المحبط العاطل عن العمل ، يتعرف على عدد الضحايا التي يحصدها الإرهاب كل يوم والتعرف ، مقابل ذلك ، على حجم المؤسسة الأمنية وميزانيتها السنوية التي من مهامها منع ذلك.

وعلى الراصد أن يزور كذلك مواقع الأنهار التي جفت والبساتين التي تيبست أشجارها وتشققت تربتها وعن موقف الحكومة من ذلك.

عليه أن يتحرى عن حجم الأموال التي يمتلكها بعض الضالعين في العملية السياسية في المصارف الغربية، وعليه أن يتسلل إلى الملفات غير المسموح بفتحها لدى هيئة النزاهة وعليه فتح ملفات تزوير الشهادات التي يتربع العديد من حملتها على كراسي في مواقع قيادية في الدولة لتحويل مؤسساتها لخدمة أهداف أحزاب سياسية وليس لخدمة ما هو في الصالح العام.

وعليه مواجهة قضايا تتعلق بما وصلت إليه السيادة الوطنية من انتهاك وما لحق بكبرياء البلد من جروح بعد أن كان أحد رموز الشموخ في العالم العربي ، وعليه... وعليه... و..و.. ويطول الحديث المؤلم المحبط الذي لا يدعو للتفاؤل كثيراً.

عند ذاك سيجد الراصد بأن الأزمة الحقيقية في العراق ليست بين المالكي وعلاوي أو بين المالكي والبارزاني أو بين الصدر والآخرين ، بل هي أزمة بين الشعب العراقي وبين الطبقة السياسية الحاكمة التي منحها هذا الشعب ثقته فحصد من جراء ذلك القهر والخذلان رغم توافر الإمكانيات لدى الدولة للقضاء على معظم السلبيات هذه.

الخلافات في الوسط السياسي العراقي كبيرة وخطيرة فهي لا تختص بما يتعلق بالحياة اليومية للإنسان العراقي فحسب، وإنما تمتد لتهدد كيان الدولة العراقية. وقد تفاقمت هذه الخلافات على مر السنين، لأنها لم تقارب بحلول موضوعية بل رُحلَت المرة تلو المرة ، خاصة الخلافات بين بغداد وأربيل.

وفي انتظار عودة الرئيس العراقي من رحلة العلاج الطويلة وعقد الاجتماع الوطني الذي دعا إليه منذ اندلاع الأزمة ، لنا أن نتساءل: أين سترسو سفينة العراق المتعبة؟