بعد أكثر من سنة ونصف على قيام الانتفاضات العربية وإنجاحها في إسقاط أربعة أنظمة عربية، تبدو المجتمعات المنتفضة تعاني مشكلات داخلية حادة، تهدد بمليونية جديدة في شوارع القاهرة، واعتصامات في تونس، واضطرابات دموية في ليبيا واليمن، وحرب أهلية في سوريا، ونزاعات مذهبية في لبنان.
في المقابل يطرح سؤال مشروع: هل اتخذت تلك الانتفاضات موقف العداء ضد إسرائيل؟ وهل تعارضت مع استراتيجية الولايات المتحدة التي تتحين الفرصة لإطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد كمرادف للمشروع الصهيوني؟
تتحرك الولايات المتحدة في جميع الاتجاهات لحماية مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط، ضاربة عرض الحائط بمصالح الشعوب العربية ونشر الديمقراطية في ربوعها.
وتتقاطع خطب المزايدة التي يطلقها مرشحو الرئاسة الأميركية، عند المزيد من دعم إسرائيل على حساب العرب. فأميركا لم تكن يوماً جادة في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم الثالث، وتاريخها حافل بدعم الأنظمة الاستبدادية على امتداد العالم العربي.
وتبخر الحلم الذي بشر به الرئيس بوش الابن عند احتلال للعراق، بأن يجعل من هذا البلد العربي يابان الشرق الأوسط، وكانت النتيجة أن سرقت متاحف العراق وكنوزه الأثرية بعد أن نهبت موارده النفطية، وتشرد ملايين العراقيين، وتفككت ركائز الدولة والمجتمع في العراق الموحد، وتعثرت فيه مشاريع التوحيد الوطني، والإصلاح السياسي والتنمية البشرية والاقتصادية.
كما أن تقارير منظمات حقوق الإنسان العالمية، تؤكد أن الديمقراطية الحقة ليست مصانة، لا في العراق ولا في أي من دول الربيع العربي، إضافة إلى غياب الأمن، والاستقرار الاجتماعي.
وتعاني المجتمعات العربية في الدول المنتفضة، من سلبيات عولمة القطب الأميركي الواحد، وهيمنة الشركات الأميركية الكبرى على الدولة والمجتمع فيها.
ويمارس اللوبي الصهيوني ضغوطا متزايدة على الإدارة الأميركية، فباتت عاجزة عن لجم النزعة التوسعية الإسرائيلية، التي تهول يوميا بضرب المفاعلات النووية في إيران، رغم خطورة هذا العمل المتهور على منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
وترفض إسرائيل القبول بقيام دولة فلسطينية إلى جانبها، وقد دفعت الإدارة الأميركية إلى قطع التمويل عن منظمة اليونيسكو العالمية، بسبب قبولها بفلسطين دولة كاملة العضوية.
ورفضت القرار الدولي لحماية كنيسة القيامة في بيت لحم باعتبارها من التراث العالمي، وتحاول مصادرة المسجد الأقصى، وأصدرت مؤخرا تعليمات صارمة نصت على تقسيم أوقات الدخول إلى المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود.
على جانب آخر، أطلق الأميركيون مخططات، لإعادة تقسيم منطقة الشرق الأوسط وإلغاء تقسيمات سايكس ـ بيكو القديمة. وهناك عشرات التقارير المدعومة بالخرائط الجغرافية والمنشورة على الأنترنيت، تؤكد أن نشر الفوضى الخلاقة في العالم العربي مدخل لنزاعات دموية مدمرة، تنتهي بتقسيم مصر وشبه الجزيرة العربية والعراق وسوريا ولبنان إلى دويلات طائفية وقبلية، وحذف فلسطين من خارطة الشرق الأوسط، وقد يمتد التقسيم ليطول تركيا، وإيران.
والانتفاضات العربية إذن، تضع العالم العربي في خضم الأزمة العامة للرأسمالية، التي تعصف بالولايات المتحدة نفسها وتهدد بعض الدول الأوروبية بالإفلاس الاقتصادي.
والتيارات الإسلامية التي تسلمت زمام الحكم في مصر وتونس، بإخوانها وسلفييها، تبدو عاجزة عن اتخاذ موقف صريح ضد الهيمنة الإسرائيلية على فلسطين، وعن فك الارتباط التبعي بالغرب، وعدم القدرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ليست الولايات المتحدة معنية بإعادة إحياء أنظمة عربية تهاوت تحت وطأة الانتفاضات الشعبية العربية، بل تحاول الاستفادة منها لإسقاط أنظمة أخرى في السودان وسوريا، وإيران، وغيرها.
وهي تستخدم لتحقيق أهدافها استراتيجيات مركبة، منها فرض عقوبات اقتصادية ومالية، وحظر التسلح، وإبعاد الشركات الصينية والروسية عن منابع النفط، والتحكم في إنتاجه، واستخدامه لإعاقة عملية التنمية المستدامة في الصين والهند وباقي الدول الآسيوية.
استفادت الهيمنة الغربية، بجناحيها الأميركي والأوروبي، من انتفاضات الشباب العربي، لتطلق استراتيجية مخادعة شعارها دعم التحول الديمقراطي والاعتراف بإسرائيل.
وتركت الأحداث تتفاعل في الشارع داخل الدول المنتفضة، وتقبلت وصول قيادات جديدة تندد شكليا بسياسة الأميركيين في الشرق الأوسط، لكنها مكرهة على التعاون معهم.
ومارست ضغوطا كبيرة على حلفائها من العسكريين العرب، لمنع التيارات الإسلامية من التفرد بالسلطة. وتعمل القوى السلطوية العربية الجديدة، على إعاقة التحول الديمقراطي في مصر وتونس واليمن وليبيا.
ويهدد الأميركيون بقطع المساعدات العسكرية، وبالضغوط المالية والاقتصادية، لجر القوى السلطوية الجديدة إلى التعاون مع إسرائيل.
لقد بات في حكم المؤكد أن الدول العربية المنتفضة لا تسير على طريق الاستقرار أو الأمن، أو حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وأن الولايات المتحدة مصرة على حماية مصالحها بالسيطرة على مصادر الطاقة والموارد الخام العربية، وهي تمهد لإطلاق مشروع الشرق الأوسط الجديد لضمان أمن إسرائيل وتمددها، عبر تفجير فتن مذهبية.
وباتت تحديات التغيير الاجتماعي في الدول المنتفضة، أشد صعوبة مما كانت عليه قبل تفكيك النسيج الوطني والقومي العربي على نطاق واسع.
ختاما، تبدو الولايات المتحدة هي المستفيدة الأكبر حتى الآن من التبدلات السياسية التي أحدثتها انتفاضات الربيع العربي، وتحاول توظيفها لتعزيز استراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط، ومهدت لها بشعارات متعددة لتفكيك البنى القائمة في دوله، ومنها "صراع الحضارات"، و"الحرب على الإرهاب"، و"الفوضى الخلاقة"، و"الحرب الالكترونية".
مع ذلك، فانتفاضات الربيع العربي ما زالت في قلب الحدث، وتثير إشكالات عدة يمكن تحويلها إلى استراتيجية عربية شاملة لإفشال التحالف الأميركي ـ الإسرائيلي.
وذلك يطرح تساؤلات منهجية حول قدرة القوى الإسلامية، بعد وصولها السهل إلى السلطة في عدد من الدول العربية، على الاستفادة من الفرصة التاريخية لتنفيذ الإصلاحات التي نادى بها شباب الانتفاضات، وليس التراجع عنها أو الانقلاب عليها، ووقف نزيف الدم في سوريا، وفتح صفحة جديدة من التعاون الندي مع تركيا وإيران.
وذلك يتطلب التوافق على صيغة عربية جامعة ترعى مصالح الشعوب العربية، وليس مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولا بد من التنبه إلى مخاطر توسيع دائرة العنف الداخلي بين المجتمع والجيش والدولة في أكثر من بلد عربي، فهذا المسار يدمر المجتمعات العربية المفككة أصلا، ويجعل حكامها عاجزين عن حماية مواقعهم إلا بدعم خارجي.
فهل يبادر العرب إلى كلمة سواء بين قادتهم وشعوبهم، لمواجهة غرفة عمليات دولية تعمل على تفجير جميع الدول المحيطة بإسرائيل؟