اختيار بول رايان كمرشح لمنصب نائب الرئيس الأميركي من قبل ميت رومني، نقيض لاختيار سارة بالين. فقد كانت سارة مجرد بريق يميني متوهج يفتقر إلى الحقيقة، فيما يعتبر رايان مادة يمينية تفتقر إلى التوهج. وليس رايان مثيرا للمشكلات أو متملقا، وهو لا يبدي الازدراء لخصومه أو يسخر من أولئك الذين يختلفون معه.
ومن حيث الأسلوب واللهجة، فإنه لا يبدو حتى كشخص إيديولوجي، إلى أن تستمع إلى ما لديه. هنا ـ في وجهات نظر رايان وأحكامه السياسية ـ نجد الجوهر الحقيقي.
فهو، أكثر من أي سياسي آخر اليوم، يجسد الداروينية الاجتماعية الكامنة في صلب الحزب الجمهوري الحالي، والذي ينادي بشعار: "كافئوا الأغنياء، وعاقبوا الفقراء، ودعوا الآخرين يدافعون عن أنفسهم".. إن لم تكن ذئبا، أكلتك الذئاب! وتتبلور وجهات نظر رايان في الميزانية التي اقترحها على جمهوريي مجلس النواب في مارس الماضي، بصفته رئيس لجنة الميزانية في المجلس.
ومن شأن تلك الميزانية أن تقتطع 3.3 تريليونات دولار، من برامج الدخل المنخفض على مدى العقد المقبل.
وأكبر التخفيضات ستكون في برنامج "ميديك إيد"، الذي يوفر الرعاية الصحية لفقراء أميركا، وهو ما سيجبر الولايات على التخلي عن تغطية ما يتراوح بين 14 و28 مليون أميركي من ذوي الدخل المنخفض، وذلك وفقا لـ"مركز الميزانية وأولويات السياسة" غير الحزبي. ومن شأن ميزانية رايان أن تقلل أيضا كوبونات الغذاء المقدمة للأسر الفقيرة، بنسبة 17% (135 مليار دولار) على مدى العقد المقبل، مما سيؤدي إلى زيادة كبيرة في معدلات الجوع، لا سيما بين الأطفال.
ومن شأنها أن تقلل من مساعدات السكن، والتدريب المهني، ومنح "بيل" للتعليم الجامعي. وعموما، فإن 62% من تخفيضات الميزانية المقترحة من قبل رايان، ستأتي من برامج الدخل المنخفض. ومن شأن خطة رايان كذلك تحويل "ميديكير" إلى قسائم لن تواكب قيمتها تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة، وبالتالي تحمّل كبار السن تلك التكاليف.
وفي الوقت نفسه، سيقدم رايان تخفيضات ضريبية كبرى للأغنياء جدا، الذين يستولون بالفعل على حصة تكاد تكون غير مسبوقة من الدخل الإجمالي للبلاد. ويعتبر أغنى 400 أميركي، أكثر ثراء من مواطنيهم الـ150 مليونا، الأكثر فقرا مجتمعين. وتعد وجهات نظر رايان داروينية اجتماعية محضة.
وكما قال وليام غراهام سومنر، رائد الداروينية الاجتماعية في أميركا، في ثمانينات القرن الماضي: "تواجه الحضارة خيارين بسيطين"، فإما "الحرية واللامساواة والبقاء للأقوى"، أو "اللاحرية والمساواة والبقاء للأضعف"، حيث "يسير الخيار الأول بالمجتمع إلى الأمام، ويحابي أفضل أعضائه، فيما يهبط الآخر بالمجتمع إلى أسفل، ويحابي أسوأ أعضائه".
فهل هذه هي وجهة نظر رومني كذلك؟
يعتقد البعض أن رومني اختار رايان لمجرد حشد حماس اليمين. ونظرا لأن معظم الأميركيين قرروا بالفعل لمن سيصوتون، وأن استطلاعات الرأي تظهر الأميركيين مستقطبين إلى حد كبير ـ مع تساوي عدد مؤيدي رومني وأوباما تقريبا ـ فإن عدد الأشخاص الذين يتكبدون عناء التصويت هو الذي سيحدد الفائز. لذا فإن رومني، من خلال اختياره لرايان، يحفز قاعدته اليمينية على التوجه إلى صناديق الاقتراع، وسحب كل من تستطيع سحبه معها.
ومع ذلك، فإن هناك سببا للاعتقاد بأن رومني يتفق أيضا مع داروينية رايان الاجتماعية، فهو، رغم تجنبه التفصيل في خطته الاقتصادية الخاصة، صرح بأنه "يؤيد إلى حد كبير" خطة الميزانية التي اقترحها رايان، وقال: "إنها محاولة جريئة ومثيرة، وهي إنجاز متقن وضروري للغاية، يتناسق بشكل كبير مع ما طرحته أنا شخصيا في وقت سابق".
وفي الوقت ذاته، يرغب رومني في تمديد تخفيضات بوش الضريبية بصورة دائمة للأثرياء، وخفض الضرائب المفروضة على الشركات، وإلغاء الضريبة العقارية. ومن شأن هذه التخفيضات الضريبية أن تزيد دخل الأشخاص الذين يجنون أكثر من مليون دولار سنويا، بأكثر من 295 ألف دولار سنويا، حسب تقديرات مركز السياسة الضريبية.
آه، هل أخبرتكم بأن رومني ورايان يريدان أيضا إلغاء قانون الرئيس الأميركي باراك أوباما للرعاية الصحية، ليتركوا 50 مليون أميركي بلا تأمين صحي؟
لقد قدمت الداروينية الاجتماعية مبررا أخلاقيا لمظاهر الظلم والقسوة الاجتماعية التي سادت في أواخر القرن التاسع عشر، كما قوضت كل ما بذل من جهود لبناء رخاء أوسع نطاقا، وإنقاذ ديمقراطيتنا من قبضة قلة قليلة من الأميركيين القابعين في القمة.
ولم ترفض أميركا الداروينية الاجتماعية حتى القرن العشرين، ولكننا رفضنا فكرة أن كلا منا يقف بمفرده في المنافسة للبقاء على قيد الحياة.
وقد وضعنا رومني، من خلال اختياره لرايان، أمام خيارين صارخين: هل نريد العودة إلى ذلك الزمن، أم أننا نريد ونستطيع المضي قدما نحو ديمقراطية واقتصاد يعملان لصالحنا جميعا؟