لقد أُغرق الشعب السوري والمعارضة السورية السياسية والمسلحة، بالوعود من قبل الأوروبيين والأميركان والعرب والدول الصديقة لسوريا، التي تجاوز عددها مائة دولة، والتي أكدت هذه الوعود في مؤتمراتها الثلاثة السابقة، ويبدو أن مؤتمرها الرابع في المغرب لن يكون مختلفاً.

ومما وعدت به هذه الدول، تقديم المساعدات المالية السخية، والسلاح، والمدربين والخبرات، كما وعدت أيضاً برسم مناطق آمنة في شمال سوريا على الحدود التركية خاصة، وعلى غيرها من الحدود مع الدول المجاورة، تكون صالحة كجزء من الأراضي السورية ليستقر عليها اللاجئون السوريون الهاربون من جحيم السلطة، كما تقيم فيها قيادات وتشكيلات تيارات المعارضة السياسية والمسلحة، وتكون أرضاً صالحة للانطلاق منها للسيطرة على بقية سوريا وترحيل النظام السياسي القائم.

وقد بدأ إطلاق هذه الوعود في الأشهر الأولى لانطلاقة الثورة السورية، دون أن يتحقق منها شيء، رغم أن المعارضة السورية المسلحة استطاعت السيطرة على أراض واسعة مجاورة للحدود التركية، وصالحة لتكون مناطق آمنة إذا توفر السلاح الذي يبعد عنها قصف الطيران، أي أنها استطاعت تحقيق هذا الهدف دون تدخل هذه الدول التي كانت تخشى صعوبات ونتائج التدخل العسكري، وما زالت تتردد في تحقيق ما وعدت به وتراكم الوعود يوماً وراء يوم، دون أن تنفذ ولو جزءاً منها.

وكان آخر هذه الوعود تصريحات هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأميركية في مطلع الشهر الحالي، وعلى لسان ممثلة بلادها في مجلس الأمن الدولي، التي أعلنت أن الإدارة الأميركية ستعمل خارج مجلس الأمن لنصرة الشعب السوري، بعد أن مارست السياسة الروسية حق الفيتو بتصويتها ضد مشروع القرار المتعلق بسوريا قبل ذلك.

إن الثورة السورية السياسية والمسلحة هي الآن، وحسب معظم المراقبين والمحللين السياسيين والعسكريين، على أبواب مفترق طرق في غاية الأهمية، فإما أن تتوحد قوى المعارضة المسلحة والسياسية ويقدم لها الدعم بالمال والسلاح والتدريب والدعم السياسي، وتكريس المناطق الآمنة التي تساعدها على الانطلاق منها لتحقيق أهدافها، أو أنها ستبقى تعارك النظام وتقدم التضحيات، وعلى رأسها سيل دماء السوريين التي تستنزف كل يوم، دون تحقيق أي نصر حاسم.

من الواضح تقصير الدول الداعمة للثورة السورية وأنصارها وأصدقائها، وتوجهها إلى إطالة أمد الصراع والمماطلة فيه، لأسباب لم تذكرها، وتستعيض عنها بحكايا ومبررات واستعراضات إعلامية دون أن تفعل شيئاً جدياً، وكأنها تنتظر شيئاً ما لم يتحقق بعد.

وكل منها له أهدافه، حيث تهيئ المناخ الملائم لتحقيقها، ولذلك تتفق آراء جميع هؤلاء بشكل تلقائي على المماطلة والتأجيل، وفي الوقت نفسه إبقاء شعلة الصراع ملتهبة في سوريا بين نظام قمعي يقصف المناطق السكنية والمدنيين ويقتل ويعذب ويسرق ويحرق، ولا يهتم لا بحقوق الإنسان ولا بحقوق المواطن ولا بالمحاكم الدولية أو التهديد بها، وبين شعب مصمم على استرجاع حقوقه المفقودة وإقامة نظام اقتصادي سياسي اجتماعي ديمقراطي تعددي تداولي، يحقق الحرية والكرامة والديمقراطية وتكافؤ الفرص وفصل السلطات.

وبالتالي فإن وعود هذه الدول جميعها لا تختلف عن وعود ذاك الذي زار أخته في العيد لتهنئتها، وكان قد وعدها بجلب مزيد من الهدايا لأطفالها، لكنه لم يفعل، واستعاض عن ذلك بأن قال لها: كنت أود أن أجلب معي عدة صناديق من الهدايا للأطفال، فقالت له مستكثرة حجم الهدايا: ولماذا عدة صناديق؟ فقال: كي يلعبوا كما يريدون..

وهكذا فالوعود المقدمة للسوريين هي مجرد كلام ومبررات وتقصير، حيث يتفرج الرأي العام العالمي ودوله ومجتمعاته وحكوماته على ذبح الشعب السوري، دون أن يتحرك جدياً لمنع هذا الذبح، أو على الأقل للتخفيف منه، ويكتفي بالصراخ والوعود "الخُلبية".

لقد حيرت الشعب السوري سياسات الدول المتنفذة والمهتمة بشأنه، ذلك أنها أوحت، بعد أن كرس النظام تمسكه بالحل الأمني واستخدامه السلاح، أن الحل هو في التدخل العسكري الخارجي، وبأنها على استعداد لمثل هذا التدخل إذا لاقت قبولاً من المعارضة السورية وشروطاً إقليمية ودولية مناسبة. وبالفعل فقد انقسمت المعارضة السورية بين مؤيد للتدخل العسكري الخارجي ومعارض له. كما وتشجع بعض ضباط وجنود الجيش النظامي السوري (على الانشقاق).

وبعد أن أصبحت شروط التدخل مناسبة أخلاقياً وقانونياً وصار مطلباً لقسم كبير من الحراك الشعبي السوري ومن تيارات المعارضة السورية، عادت فأعلنت أن الحل هو حل داخلي، وطالبت المعارضة بتوحيد شعاراتها وأهدافها وبرامجها، وتوضيح بنية النظام السياسي المقبل بعد تغيير السلطة القائمة. وعندما تحقق ذلك لم تنفذ هذه الدول أياً من وعودها، وكل ما عملته أنها ضاعفت تصريحاتها كماً ونوعاً، وزادت "تطميناتها" للسوريين.

ولعل تحقيق "الجيش الحر" وجود مناطق آمنة في شمال سوريا بقواه الذاتية، دون تلقي أية مساعدة خارجية ودون إسراع تلك الدول بتقديم تلك المساعدة المالية والمسلحة، يكشف زيف التصريحات التي تطلقها هذه الدول وخداع سياساتها ومواقفها، ويؤكد أن لهذه الدول أهدافاً أخرى من مواقفها تجاه الأزمة السورية، منها إطالة الصراع السوري المسلح لأقصى مدة ممكنة، بهدف أن يدمر السوريون بلدهم تدميراً ذاتياً، بحيث لا تقوم له قائمة إلا بعد سنوات طويلة، وعندها يتم إسقاط السلطة القائمة.

ولذلك يسمعنا مسؤول أميركي في كل يوم، أن النظام ساقط لا محالة وأن المسألة مسألة وقت، والوقت كما يبدو، لن يأتي إلا بعد تدمير سوريا!