نُحت مصطلح "الربيع العربي" خصيصا للتعبير عن حقبة لا نزال نعيشها في منطقة الشرق الأوسط، الذي تشغل الدول العربية جل مساحته. وقد كُتب الكثير حول أحداث هذا الربيع وخضعت لتحليلات متباينة، على الرغم من أن الفترة الزمنية التي انقضت على بدئه، غير كافية للحكم على النتائج التي آلت إليها الدول التي مر بها هذا الربيع.

 سقط خلال هذه الحقبة أربعة رؤساء في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، ثلاثة من هؤلاء بفعل الضغط الشعبي وحده، الذي لم يترك للرئيس فرصة أو منفذا غير الهرب أو التخلي عن الحكم، وفي حالة واحدة كان بفعل تدخل خارجي لصالح الضغط الشعبي كما حدث في ليبيا. ما هو مشترك بين الأنظمة التي سقطت، هو أنها أنظمة دكتاتورية وعلمانية في الوقت نفسه.

ستكون للدراسات التي تتناول محاور مختلفة لواقع الدولة التي غيرها الربيع العربي، أهمية استثنائية في المستقبل من أجل تقييم هذه الحقبة الملتهبة، لما لذلك من أهمية لا تنسحب على حياة الإنسان العربي فحسب، وإنما تنسحب على مصائر دول المنطقة وعلى طبيعة التوازنات التي ستخلف هذه الحقبة.

إن ما هو جدير بتسليط الضوء عليه في هذا السياق، هو أن الدولة لم تسقط في تلك الدول كما حصل عند الاحتلال الأميركي للعراق وقبل ذلك في أفغانستان، أو كما حصل في حرب البوسنة أو كوسوفو. ونقصد بالدولة المؤسسات الخدمية القائمة، وخاصة تلك التي من مهامها حفظ الأمن ومنع التداعيات نحو الفوضى.

وسواء سقط الرئيس وطاقمه فقط أو سقطت الدولة برمتها، فإن دول الربيع العربي وجدت نفسها أمام مهمة إعادة بناء الدولة على أسس جديدة ترقى إلى مستوى الطموحات التي قادت التغيير، وهي مهمة ليست أقل صعوبة من مهمة إسقاط الأنظمة، إلا أنها من ناحية ثانية أقل كلفة وخطورة على السلم الأهلي من الحالات التي انهارت فيها الدولة، وقام أمراء الطوائف بتسييس الهويات الدينية والمذهبية والعرقية التي أسهمت في الانقسامات المجتمعية، إلى درجة التصادم الذي عانت منه الأقليات العرقية والدينية والمذهبية أكثر من غيرها.

مهمة إعادة بناء الدولة ليس من السهل القيام بها، ما لم تتوافر مقومات ذلك بأدوات حضارية لا تستمد من الماضي سوى ما يوحد الشعب ويحفظ وحدته المجتمعية، ولا تستلهم من الحاضر سوى التجارب الناجحة للشعوب قريبة الشبه به، ولا تستشرف من المستقبل سوى ما يعزز الانتصار للإنسان وللحياة. ولعل أبرز ما يتطلبه ذلك هو وضوح الرؤية أمام قادة العهد الجديد، وتوافر حسن النوايا لديهم، وتضافر جهود القوى السياسية التي أسهمت في التغيير.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل يتمكن صناع القرار الجدد من صياغة ملامح الدولة الجديدة وفق هذه الأسس أم أن لديهم أجندات انتمائية، أيا كان شكلها، تحول دون ذلك؟

يَمثُل أمام راسم هيكل الدولة الجديدة تاريخ البلد والتقاليد السائدة فيه، وإرثه الثقافي والأزمات التي تعرض لها والصراعات التي قاسى منها، والعلاقات التي نسجها إقليميا ودوليا، من أجل أن يتمكن من مقاربة القضايا الأساسية التي تتعلق باستراتيجيات الحكم الجديد وطبيعة المشاركة فيه، من خلال الدستور وصلاحيات السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، ودور المنظمات الاجتماعية، ونمط العلاقات الاقتصادية، والعلاقات الإقليمية والدولية.

ولكن ذلك لا يمكن أن يجري دون التأثر بالمناخ الدولي، سواء برغبة القائمين بذلك أو بسبب الضغوط التي لا مفر من الاستجابة لها بهذا القدر أو ذاك، خاصة وأن العلاقات الإقليمية والدولية مع الآخرين، أصبحت محكومة بدرجة ما بنوعية الحكم في الداخل ومدى مقبوليته دولياً. هذا إضافة إلى أن المجتمع الدولي قد أسهم من خلال قنوات سياسية ودبلوماسية وإعلامية وغيرها، في إنهاء الأنظمة التي أشرنا إليها عندما انحاز لجانب هذه الثورات.

فمن الصعب الادعاء بأن ما حدث في تلك البلدان كان خاليا غير متأثر بتدخل خارجي، فليست هناك ساحة صراع في العالم لا تتأثر بنفوذ خارجي، خاصة حين تكون هذه الساحة جزءاً من منطقة تعج بالثروات الطبيعية أو تشغل موقعاً جغرافياً مهماً، أو لها خصوصية متميزة. فإن لم يتدخل البعيد، فإن الجار الأقرب يرى أن مصلحته تتطلب توجيه الصراع ناحية عدم الإضرار بمصالحه.

انتهجت دول الربيع العربي مسلكاً واحداً تقريباً في إعادة بناء الدولة، وهو تحديد فترة انتقالية يكتب فيها دستور جديد وتجرى في نهايتها انتخابات تشريعية ينبثق عنها مجلس نيابي. هذه لبنات أساسية في بناء الدولة الديمقراطية، الشكل الحضاري للدولة العصرية، إلا أن قيام نظام ديمقراطي حقيقي ليس بالأمر السهل في الدول العربية التي تعايشت مع أنظمتها القمعية على مدى أجيال، في ظل غياب أو ضعف الثقافة بالممارسات الديمقراطية.

فالتفاصيل التي تكمن في متن الدستور وفي القوانين التكميلية له من جهة، وفي كيفية استخدام الأدوات التي يتيحها الدستور والتعامل معها من قبل القوى السياسية ومن قبل غالبية الناس من جهة أخرى، تلعب دوراً كبيراً في ذلك، إذ إن إحدى أبرز الضمانات لقيام دولة ديمقراطية، هي طبيعة الدستور ومدى تناغم المرجعيات التي استند إليها المشرع مع طبيعة النظام الديمقراطي، ومع سقوف الحقوق والحريات التي يتيحها ويضمنها للمواطن على مختلف الصعد، في ظل سلطة إعلامية مستقلة.

في النظام الديمقراطي الحقيقي، المرجعية الوحيدة هي الشعب، عبر استفتاء لا يسمح فيه باستخدام المؤثرات التي لا تنتمي إلى الحاضر الذي يخص الحياة اليومية للناس، وهو أمر من الصعوبة بمكان الاطمئنان إلى توافره في هذه المرحلة من حياة المجتمعات العربية، خاصة بعد التجربة السياسية في العراق على مدى السنوات العشر المنصرمة، وهي تجربة لا يمكن وصفها بالنجاح.

الممارسات في أطر عملية سياسية ديمقراطية، تتطلب وجود ثقافة لدى عامة الناس لا تسمح بالانقياد لشعارات تكرس قيم الماضي وسلوكياته على حساب قيم الحاضر.. فالديمقراطية ليست مجرد "صرعة" عصرية نتزين باسمها وبهياكلها فحسب.