أصيب اللبنانيون بنوع من الذهول، حين طغت الصيغة العشائرية على الصيغة اللبنانية بكامل طوائفها ومناطقها ومؤسساتها العسكرية والمدنية والاقتصادية والثقافية. فانتفاضة "الجناح العسكري لعشيرة آل المقداد" في 15 أغسطس 2012، لإطلاق سراح ولدهم المخطوف من جانب "الجيش السوري الحر" في دمشق، وضعت لبنان أمام منعطف خطر.

وهددت "الانتفاضة" لساعات عدة وجود الدولة المركزية في لبنان، بعد أن فقدت سيادتها على نسبة كبيرة من أراضيها، لصالح قوى ميليشياوية قطعت الطرقات التي تصل لبنان بالخارج جوا عبر مطار بيروت، وتصل لبنان برا عبر الحدود اللبنانية السورية.

وبدا واضحا أن الدولة اللبنانية بكامل أجهزتها العسكرية، تتهيب الدخول في معركة عسكرية مع الخاطفين وقطاع الطرق. ومرد ذلك إلى أسباب سياسية بالدرجة الأولى، وناجمة عن البنية الطائفية للمجتمع اللبناني. فبدت عاجزة عن حماية أرواح اللبنانيين وممتلكاتهم في وطنهم أولا، قبل الحديث على قدرتها في حماية المواطنين القادمين إلى لبنان من دول أخرى.

كانت الأضرار المعنوية التي ألحقتها "انتفاضة 15 آب العشائرية"، أكبر بكثير من الأضرار المادية التي اقتصرت على خطف قرابة عشرين سوريا وتركي واحد. وقد أطلق سراح بعضهم بعد ساعات على احتجازهم، دون الإشارة إلى تصفيات جسدية. وبعد أقل من يومين على الاستعراضات العسكرية العشائرية، أعلن الجناح العسكري لعشيرة آل المقداد عن وقف كل عمليات الخطف، وقبوله بتسليم قضيتهم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاحتفاظ بالمخطوفين لديهم حتى إطلاق سراح المخطوف حسان المقداد من سوريا.

لعل أبرز الأضرار الناجمة عن تلك الانتفاضة، أنها أرعبت اللبنانيين بعد أن تيقنوا أنهم أمام فتنة طائفية ومذهبية وعشائرية متنوعة، من السهل تحويلها إلى فتن شاملة تطال جميع اللبنانيين والمقيمين على أرض لبنان، وتؤدي إلى تهجير أو ترحيل آلاف السوريين والعرب والأجانب، وصولا إلى ترحيل اللبنانيين المقيمين في سوريا ومن دول عربية عدة.

لقد عاش آلاف السوريين والعرب والأجانب المقيمين على أرض لبنان، يوما رهيبا بسبب كثرة الشائعات عن الخطف على الهوية، والخطف المضاد وفق مزاج قطاع الطرق في الشارع. وتوخى جميع اللبنانيين الحذر الشديد في بيوتهم، وتحاشوا التنقلات غير الضرورية، نظرا لغياب أركان الدولة شبه التام عن السمع.

وسعى بعضهم إلى تهدئة النفوس المتوترة، بالطرق اللبنانية التقليدية خوفا من تعميم العنف. وتم تحييد القوى العسكرية عن الدخول في نزاعات محلية، تقود حتما إلى إضعافها أو التحاق قوى نظامية بعائلاتهم وعشائرهم وطوائفهم، كما حصل عند تفكك الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى في بداية الحرب الأهلية، مما ساعد على تدمير الوحدة الوطنية والعيش المشترك، ودخول لبنان في فتن طائفية ومذهبية طوال خمسة عشر عاما.

بدت الدولة اللبنانية مخطوفة في انتفاضة العشائر، وبات الخاطفون منتصرين عليها وهم يطلقون تهديداتهم عبر وسائل الإعلام، التي تجند معظمها لإظهار هزيمة الدولة أمام خاطفيها، والانحياز التام إلى الناطقين باسم العشائر والأحياء والملثمين وقطاع الطرق، فاستباحوا الدولة والإعلام في لبنان لساعات عدة، وسط ذهول اللبنانيين في جميع المناطق ومن جميع الطوائف، نظرا لغياب الحس المهني المطلوب في إدارة الأزمات الوطنية الشاملة.

نتيجة لذلك، اجتاح القلق الشديد جميع اللبنانيين الذين استشعروا هول المأساة الناجمة عن غياب الدولة أو تغييبها، واستهجنوا هذا الانحياز الأعمى لبعض وسائل الإعلام إلى جانب القوى العشائرية، التي وضعت الشارع اللبناني رهينة في أيدي حملة السلاح والمسلحين. ففرضوا على اللبنانيين والمقيمين على أرض لبنان، شريعة المقنعين والعابثين بالأمن، وفق مشاهد حية وموثقة بالصوت والصورة على مدار الساعة.

أساء سلوك الدولة اللبنانية ومعظم وسائل الإعلام اللبناني المرئي، إلى صورة لبنان واللبنانيين، بسبب تجاهل المسؤولية الوطنية والأخلاقية الملقاة على عاتق الدولة ووسائل الإعلام. وكانت تصريحات المخطوفين أمام خاطفيهم المدججين بالسلاح، تنقل مباشرة عبر وسائل الإعلام لتثير الاشمئزاز. فهي تمتهن كرامة الإنسان المخطوف، وتحرمه حقه في التعبير عن رأيه بحرية، فينطق بما يريده الخاطفون.

على جانب آخر، أكدت ردود الفعل العشائرية بالوقائع الدامغة، أن الطريقة التي تعاملت بها السلطات التركية والجيش السوري الحر مع المخطوفين اللبنانيين، كانت سلبية للغاية وبدأت تثير ردود فعل أكثر سوءا. فاقترح أحد الوزراء اللبنانيين استدعاء السفير التركي في لبنان إلى وزارة الخارجية، وتسليمه رسالة إلى السلطات التركية تحملها المسؤولية عن سلامة المخطوفين، وتدعوها إلى تكثيف اتصالاتها لإنهاء هذا الملف.

وفي ظل انتفاضة العشائر لساعات محدودة، بدا لبنان على مشارف الهاوية، مما دفع خمس دول خليجية هي السعودية وقطر والكويت والبحرين والإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى الدولة التركية، إلى توجيه تحذيرات عاجلة لرعاياها بضرورة مغادرة لبنان فورا. ولمحت دولة قطر لاتخاذ إجراءات موجعة جذرية تطال اللبنانيين العاملين فيها، في حال تعرض مواطنيها للخطر في لبنان.

ما جرى في لبنان في 15 آب 2012، يطرح تساؤلات منهجية حول مستقبل لبنان واللبنانيين، في حال تغييب الدولة المركزية لصالح زعماء الطوائف والعشائر والقوى السياسية المتناحرة. ومن أولى واجباتها أن تدافع عن وجودها كدولة مركزية قادرة على ضبط الأمن، وحماية اللبنانيين.

لقد فشل النظام السياسي الطائفي في بناء دولة عصرية في لبنان على أسس ديمقراطية، فزعماء الميليشيات والطوائف يتحكمون في إدارة الدولة ومؤسساتها، ويغلبون مصالحهم الشخصية على مصالح الوطن، ويستنجدون بقوى إقليمية ودولية للحفاظ عليها. وهم يتمسكون بالطائفية والعشائرية لتنمية الذهنية الميليشياوية، التي تسمح لهم بالسيطرة على مؤسسات الدولة، ونشر الفساد والإفساد والاستزلام السياسي.

ومع فشل مشروع الدولة العصرية، استعاد المجتمع الأهلي في لبنان نشاطه القوي، في ظروف إقليمية ودولية تعمل على تفكيك الدول القائمة، إلى مكوناتها الطائفية والعرقية والعشائرية وغيرها. وقد آن الأوان لخروج لبنان من دائرة الصراعات الطائفية والمذهبية والعشائرية، وبناء دولة مركزية قوية ووطن حر مستقل.