مجتمع الإمارات مجتمع صغير نسبيا وعدد سكانه قليل مقارنة بغيره من المجتمعات ذات الجاذبية الاقتصادية العالية والكثافة السكانية المرتفعة والهجرات الخارجية الكبيرة ومع ذلك فإنه من يتابع الجرائم والقضايا الأمنية التي تحدث في بلدنا يتعجب من تصدر بلدنا في بعض الأحيان لنسبة جرائم عالية في مقاييس ارتكابها ومتفننة في الحرفية والاتقان.

 ونتعجب من قدرة بعض من الذين فتح لهم باب الدخول الى بلدنا على استغلال ذلك الانفتاح وتلك التسهيلات التي منحت لهم لارتكاب جرائم تهدف الى زعزعة أمننا وتهديد استقرارنا الاجتماعي. ولولا الحرفية الكبيرة والمهنية العالية التي تتمتع وتتميز بها مؤسساتنا الأمنية لربما زاد معدل الجريمة على مستواه الحالي وارتفعت وتيرته وهو الأمر الذي يسبب لنا قلقا كبيرا وهواجس عديدة.

تميز بلدنا دوما بالانفتاح وفي تخفيف القيود والإجراءات تسهيلا للحركة التجارية والسياحية. ولو نظرنا الى نمط التوافد السكاني الخارجي لدينا لوجدنا أنه يتميز بسرعة الايقاع وانسيابية الحركة وسهولة الإجراءات وعدم تشددها.

فالسلطات المحلية مدركة بأن إبقاء الأبواب مفتوحة وتسهيل انسيابية الحركة هو في صالح اقتصادنا كما هو في صالح سمعة دولتنا كمنطقة جاذبة لرؤوس الأموال والأفراد من رجال أعمال ومستثمرين وسياح وزوار للدولة التي وصلت سمعتها الى كافة أنحاء العالم وتهافت عليها القريب والبعيد كل له هدف ومبتغى.

ونظرة الى الحركة الدؤوبة في مطاراتنا وعلى المعابر البرية والبرية يلاحظ هذا الشيء. فهناك ملايين من القادمين والمغادرين الى بلدنا وجلهم لا يجدون صعوبة كبيرة في الإجراءات المتخذة سواء في دخول الدولة أو مغادرتها. كما أن البلد مفتوح أمام العديد من الجنسيات التي تأتي وتغادر دون أي قيد.

اقتصاديا ارتبط قدوم معظم العمالة الخارجية مع بدء التنمية الحديثة والحاجة الى أيد عاملة على الرغم من أن وجود بعضها يمتد الى عقود طويلة كالجالية الآسيوية التي عاشت وامتهنت العمل هنا من قبل ظهور النفط. أما البعض الآخر فقد جاء مع التطورات الاقتصادية الحديثة المتلاحقة بحثا عن فرصة سريعة للرزق أو الربح. لذا توافدت جنسيات كثيرة من مختلف أنحاء العالم بعضها مساهم في عملية البناء والبعض الآخر مستفيد منها.

ومنذ بدء الانفتاح في مجتمعنا وقدوم كل هذه الجنسيات واستقرارها بيننا بدأنا نلاحظ تنوعا جديدا في القضايا الأمنية وفي أشكال الجريمة وتعددا في أنماطها وتفننا في أساليبها.

فهناك جرائم تقليدية وهناك جرائم منظمة وجرائم مبتكرة تفنن أصحابها في ابتداع أشكالها حتى أصبح مجتمعنا الصغير وفي زمن قياسي متعرضا لكافة أنواع وأشكال الجرائم التي ترتكب على أرضه.

فلا يمر يوم دون أن نسمع ونرى في وسائل الاعلام عن جريمة مبتكرة تفنن أصحابها ليس فقط في ابتداع شكلها بل في محاولة إخفائها معالمها عن العين الساهرة.

كما أنه لا يمر يوما دون أن نسمع عن جريمة خطيرة ترتكب إما بواسطة مهاجرين مقيمين أو بواسطة أفراد جاؤوا الى بلدنا بتأشيرة زيارة بهدف ارتكاب جريمة أو تهريب مخدرات أو التخطيط لتنفيذ جريمة أو في أبسط الحالات للتسول.

فهذه عصابة تقوم بإدخال كميات كبيرة من المخدرات بهدف ترويجها محليا وأخرى بغرض العبور بها الى دولة مجاورة وثالثة بهدف التخطيط لسرقة على مستوى عال من الحرفية والتقنية، ورابعة دخلت البلاد بغرض التسول واستغلال كرمنا وعطفنا، خاصة في أشهر رمضان. وهكذا تتفنن تلك العصابات في تهديد أمننا وتحت أعيننا مستغلة وبكل قدرة وحنكة التأشيرة التي منحت لها والباب الذي فتح لها.

هذه الجرائم حتى وإن صغرت هي تهديد لأمننا واستقرار وسمعة مجتمعنا. كما أن الحرفية والنظامية التي ترتكب بها تطرح عدة أسئلة حول قدرة هؤلاء المجرمين على اختراق الحواجز الأمنية التي تضعها السلطات عندنا.

ولكن السؤال الذي يحيرنا جميعا هو الكيفية التي دخل بها هؤلاء الى البلد وإمكانية تجنب مثل هذه الجرائم خاصة وأن مرتكبيها في الغالب جاؤوا من الخارج وبتأشيرة مؤقتة؟ هل في الامكان منع وصول هؤلاء المشبوهين الى بلدنا خاصة وأن بعضهم من أصحاب السوابق الخطيرة في العالم؟ هل في الإمكان رفض منح هؤلاء سمة دخول، خاصة وأننا نملك حق منعهم وخاصة أيضا وأننا نملك جهاز أمن قادرا على معرفة هؤلاء المشبوهين؟ لماذا نسمح لأصحاب السوابق من أمثال مهربي المخدرات مثلا، بدخول البلد بتأشيرة سياحية ولماذا نمنحهم أصلا تلك التأشيرة؟

أسئلة كثيرة تطوف في أذهاننا ونحن نتابع وسائل الاعلام والصحف وما تحمله كل يوم من فنون الجرائم المرتكبة على أرضنا وأطنان المخدرات التي تضبط في البلد، وبأنواع الجرائم التي ترتكب بواسطة افراد دخلوا البلد بصورة مؤقتة وبغرض ارتكاب او التخطيط لجريمة تمس أمننا واستقرارانا.

ما ينشر بصورة يومية عن هذه العصابات لا يسبب لنا قلقا كبيرا فحسب بل يثير في أنفسنا الكثير من الهواجس التي تتعلق بالأمن. كذلك يثير عدة أسئلة واستفسارات تتعلق بقدرتنا على منع دخول هؤلاء وحماية أمننا واستقرارنا. فهل يمكننا، مثلا، أن نتخذ خطوات استباقية لمنع دخول أمثال هؤلاء الى الدولة قبل أن يرتكبوا جرائمهم وأفعالهم المشينة؟ دول كثيرة ترفض منح تأشيرات من دون أسباب واضحة فلماذا لا نفعل مثلهم لنجنب الدولة خطر هؤلاء المشبوهين؟

استقرار قطاعات عديدة معتمدا على الاستقرار الأمني. فالاستقرار الاقتصادي واستقرار المجتمع والاستقرار الصحي جميعه معتمد على الاستقرار الأمني. كما أنه يمكننا القول بأن الحفاظ على أمننا وحصانته لا يرتكز فقط على قدرتنا في حماية المنافذ والمعابر الحدودية ولكن في تجنيب البلد أي قضية أمنية يمكنها أن تكون سببا لأي خطر داهم أو قلق قادم.