العراق وسوريا بلدان لهما ثقل سياسي واقتصادي كبير الأهمية في رسم السياسات وصياغة معادلات التوازن في منطقة الشرق الأوسط، لذلك تكتسب العلاقة بينهما أهمية خاصة بسبب ذلك من جهة، وبسبب التأثير المتبادل لكل منهما في الواقع السياسي للآخر من جهة أخرى. وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة بالنسبة للعراق بسبب التأثير الخطير الذي تحدثه السياسات السورية على الواقع الاقتصادي في العراق، حيث يمر النهران الوحيدان اللذان يغذيان العراق بالمياه في أراضي سوريا. كما يضفي القرب الجغرافي والاجتماعي بين البلدين بعدا إضافيا على أهمية العلاقة بين البلدين.

البلدان، من ناحية أخرى، يتسمان بميزة التنوع الإثني والديني والمذهبي بنسب متفاوتة، ولهما وفق ذلك تشابه في الأزمات والمشاكل الداخلية. وبدل أن يدفعهما ذلك نحو التقارب والتنسيق في المواقف السياسية، نجدهما عكس ذلك ينتهجان سياسة التنافر عن بعضهما، وكأن مشاهد التأريخ الأموي والعباسي ورموزه الدموية لا تزال ماثلة أمام صناع القرار في القصور الرئاسية في دمشق وبغداد. فالعلاقات بين هذين البلدين الجارين لم تكن حسنة على مدى عمر الدولتين إلا في أحايين قليلة. ولم تخل النفرة بينهما في العقود الأخيرة من السنين من نزعات كل من بغداد ودمشق، إضافة لعواصم عربية أخرى، لتزعم محاور سياسية تستقطب الرأي العام لاحتلال الموقع القيادي عربيا وإقليميا.

موقف العراق من الثورة الشعبية في سوريا يثير القلق والتخوف على مستقبل العلاقات بين البلدين، سمة هذا الموقف هو التخبط وعدم الوضوح. وقد رصد المراقبون تناقضات بين موقف الخارجية العراقية وموقف رئاسة الوزارة، ناهيك عن التناقض الحاد بين موقفي بغداد وأربيل حول ذلك. ففي مؤتمر وزراء الخارجية العرب في الدوحة في الثاني والعشرين من يوليو المنصرم تحفظ العراق على قرار مجلس الجامعة العربية بدعوة مجلس الأمن الدولي لإدراج التدخل لمعالجة الأزمة السورية ضمن الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، إلا أنه عاد ووقف مع الأسرة الدولية في الثالث من أغسطس الجاري في الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أقرت بأغلبية ساحقة إدانة النظام السوري والمطالبة بنقل السلطة، وعاد ثانية وحضر اجتماع طهران في التاسع منه، الذي ضم الدول الصديقة لسوريا، علما بأن لبنان وهي الدولة الأكثر قربا إلى سوريا اعتذرت عن حضوره.

وقد تجلى الموقف العراقي المرتبك من القضية السورية بعدم السماح بدخول اللاجئين السوريين إلى الأراضي العراقية، وهو أمر مستغرب وغير متعارف عليه دوليا، ثم الموافقة على ذلك بعد تعرض الحكومة لضغوط شعبية ودولية، خاصة أن لسوريا أيادٍي بيضاء على العراقيين، فقد استضافت مئات الآلاف منهم على مدى سنوات طويلة إبان عهد النظام السابق وبعد سقوطه. كما تجلى هذا الموقف المرتبك في تضارب التصريحات التي أدلى بها كبار المسؤولين وتناقضها، فالعراق لم يتبن سياسة خارجية واحدة إزاء الدول العربية التي مر بها الربيع العربي.

فعلى المستوى الرسمي لم يكن رئيس الوزراء العراقي متعاطفا بالمرة مع حركة الشارع العربي منذ بدء ربيعه، فقد استشعر فيه ما يهدد وضع حكومته في ظل الأوضاع المتهالكة في العراق، وقد سبق له في مناسبات عديدة أن أبدى تحفظاته وعدم ارتياحه لما يجري في العواصم العربية، كان آخرها ما ورد في الكلمة التي ألقاها بمناسبة افتتاح مهرجان الشباب العالمي في بغداد في الثاني عشر من أغسطس الجاري، مشيرا إلى الأحداث الجارية في سوريا، دون تسميتها، بأن "العراق جزء من المنطقة التي تلتهب فيها النار بمختلف مفاصلها"، مضيفاً بأن "هذه النار إما أشعلها الجهلة والحاقدون وإما أشعلتها إرادات خارجية لأغراض تتعلق بسياسات ومصالح".

والحقيقة أن التخوف الذي يبديه رئيس الوزراء العراقي من الحرائق المدمرة التي تشهدها الساحة السورية أمر مشروع وفي محله لاحتمال انتشارها وامتدادها إلى مناطق أخرى قد لا يكون العراق بعيدا عنها، إلا أن موقفه منها لا يعبر عن قراءة موضوعية سليمة للوضع في سوريا ولمساراته على المحورين العسكري والسياسي. فجميع المؤشرات ليست في صالح بقاء النظام السوري القائم، فهو آيل للسقوط بكل تأكيد، واستمرار الموقف المتردد منه ليس في صالح العراق، لأنه يدفع به نحو المزيد من العزلة إقليميا ودوليا. إن مواقف الحاضر الصحيحة هي رصيد للمستقبل والرهان على حصان خاسر هزيمته محتمة قضية خاسرة، لا أحد يفضل الأخذ به كخيار، لأن ثمن ذلك لن يكون هينا في المستقبل.

الموقف من قضية الشعب السوري فرصة أمام العراق، عليه أن لا يفرط في الاستفادة منها، فهي مناسبة للإعلان من خلالها عن عودته كدولة محورية في منطقة الشرق الأوسط لها استقلالها في اتخاذ قرارها السياسي، بعيدا عن التأثر بالتبعية لسياسات ومصالح هذا الجار أو ذاك، فمن مصلحته أن تكون علاقاته حسنة مع الجار الذي سيولد عن قريب على الحدود الغربية. فانتهاج سياسات تسهم في دفع العراق نحو المزيد من العزلة ليس بالنهج السليم، ولنا تجربة مريرة جنى العراق من نتائجها الأمرين إبان حقبة النظام السابق ونرجو أن لا يكون ذلك قد غاب عن ذاكرة المسؤولين.

إن ما يجري في الساحة السورية من أحداث ملتهبة لا تقتصر خطورتها على مستقبل سوريا وأمنها ومستقبل نسيجها المجتمعي فحسب، بل سيكون لها تداعيات كبيرة على شكل العلاقات العراقية السورية. فالعراق قد عانى الأمرين على مدى السنوات العشر المنصرمة من تسلل العناصر الإرهابية عبر الحدود مع سوريا والتي عاثت فسادا بأمن البلد وحياة أبنائه وعرقلت خططه التنموية، وليس من مصلحته بكل تأكيد عودة هذه الظاهرة في المستقبل.

من جانب آخر يثير الموقف العراقي من الأزمة السورية التساؤلات حول استراتيجية الأمن القومي التي ينتهجها العراق، فإن توافر عناصر تحقيقها يعتمد على مدى انسجام سياساته الخارجية معها. فإن أحد أبرز عناصر تحقيق الأمن القومي هو استشراف موضوعي لمعالم المستقبل وانتهاج سياسات تنسجم مع ذلك، خاصة مع دول الجوار الذي من مصلحة العراق أن لا يقدم المبررات لدفع أي منهما نحو التحول إلى خصم سواء في العلن أو في السر.