شعرت بالرهبة حين علمت أول مرة بترشيحي لعضوية الجمعية التأسيسية لكتابة دستور مصر. فهو شرف ما بعده شرف أن تسهم في كتابة دستور وطنك، وهو في الوقت ذاته مسؤولية جسيمة، خصوصا في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ مصر.
لذا دعوت وأدعو الله كثيرا أن يلهمني وباقي زملائي بالجمعية التأسيسية لما فيه خير بلادي، ويوفقنا في تلك المهمة الصعبة التي أوكلت إلينا. والصعوبة تأتي من مصادر عدة، فبادئ ذي بدء، تتطلب كتابة دستور يليق بمصر أعلى درجات التجرد من كل انتماء فكري أو سياسي ليكون الشاغل الوحيد هو مصلحة مصر العليا، وهي تتطلب أيضا اجتهادا فكريا حقيقيا للتوصل إلى مواد متوازنة.
فعلى سبيل المثال، عانت مصر طويلاً من الحكم الفردي الذي أثر على مكانتها في الخارج وأدى لانهيار مدو في الكثير من المجالات في الداخل، وهو ما يستدعى دورا لمؤسسات الدولة في عملية إعادة البناء.
ومن هنا يصبح السؤال المحوري متعلقا بكيفية كتابة دستور يحدث التوازن بين القضاء على آفة الحكم الفردي ومحاصرتها تماما وبين إنشاء مؤسسات سياسية ذات صلاحيات معقولة تسمح لها بالعمل بفاعلية. بعبارة أخرى، كيف يمكن أن تصوغ الضمانات التي تحمى مصر من الحكم الفردي وتحمي الحقوق والحريات دون أن تنشئ مؤسسات ضعيفة محدودة الصلاحيات؟
والدستور ثانياً لابد أن يجسد عملية توفيق حقيقية بين رؤى وتوجهات القوى والجماعات المختلفة، فيصبح معبرا عن التيار الأساسي السائد في المجتمع المكون من روافد فكرية وسياسية متعددة.
والدستور الذي لا تجد فيه القوى والجماعات المختلفة ما يعبر عن رؤاها ومطالبها دستور لا يمكن أن يعيش طويلًا، لأن الدساتير عموما تحتاج لقوى اجتماعية لها مصلحة في بقائها فتدافع عنها وتحميها. ومصر في هذا اللحظة تعاني استقطابا سياسيا شديدا يجعل مسألة كتابة دستور يحظى بالوفاق الوطني أو يحققه عملية بالغة الصعوبة.
ورغم إدراكي الكامل لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الجمعية، إلا أنني أرى في تلك المسؤولية أيضا فرصة عظيمة. فبالنسبة لي على الأقل، اعتبرها فرصتي لأحلم لمصر. فرصتي لأسأل نفسي عما هو أفضل ما أتمناه لوطني ثم أسعى لتحقيقه من خلال مواد الدستور. والحقيقة أن حقنا في أن نحلم هو أحد الحقوق المهمة التى حرمنا منها كما حرمت منها شعوب أخرى عاشت مثلنا القمع والقهر.
فالشعوب التي تسلب حريتها وحقوقها المشروعة تصبح مع الوقت منشغلة بأن يمر اليوم بعد الآخر بسلام دون أن تسلب منها حقوق جديدة، ومعنية بتحقيق الحد الأدنى من حاجاتها.
وبين هذا وذاك، تفقد القدرة على أن تحلم. والنهضة في تقديري تبدأ باستعادة القدرة على أن نحلم. لذا رجوت زملائي الأعضاء منذ اجتماعنا الأول أن نعاهد أنفسنا بأن نفكر خارج الأطر التقليدية ونطلق لأحلامنا العنان، ثم نبدأ عملنا من سقف أحلامنا المرتفع لا من السقف المنخفض لواقعنا.
وقد اتخذت الجمعية التأسيسية لكتابة دستور مصر منذ البداية قرارا بتقسيم العمل لكسب الوقت وتوخي الدقة فى آن معا. فأنشأت لجانا نوعية أربع تعنى كل منها بأحد أبواب الدستور.
فأنشأت لجنة للحريات والحقوق وأخرى للمقومات الأساسية للمجتمع والدولة، وثالثة لنظام الحكم، ورابعة للمؤسسات المستقلة والهيئات الرقابية، وصار المطلوب من كل لجنة التقدم بمشروع مقترح لمواد الباب الذي يخصها لتعرض على الجمعية ككل صاحبة الرأى النهائي.
وإلى جانب اللجان الأربع، أنشأت الجمعية أيضا لجنة للمقترحات والتواصل المجتمعي مهمتها عقد لقاءات مكثفة مع كافة أطياف المجتمع المصري ومؤسساته ومنظماته بهدف التعرف على مطالب المصريين بشأن الدستور الجديد.
وتم فتح الباب أيضا للتواصل الفردي مع لجنة المقترحات عبر البريد العادي والإلكتروني وغيره من وسائل الاتصال. وقد أنشأت الجمعية لجنة سادسة سميت لجنة الصياغة تحيل إليها اللجان مواد الدستور المقترحة لصياغتها بشكل محكم قبل العرض على الجمعية.
وقد انخرطت الجمعية فعلاً في عمل جاد يصل الليل بالنهار في اللجان المختلفة.
وبدأت بالفعل بعض اللجان تنتهي من أعمالها وتحيلها للجنة الصياغة تمهيدا لعرضها على الجمعية التأسيسية التي ستقوم بالتصويت على تلك المواد مادة مادة. ووفقا للائحة الجمعية، فإن الموافقة على المواد تكون بالتوافق.
فإذا تعذر ذلك، يتم سحب المادة للتداول بشأنها والنظر فيها، ثم تطرح للتصويت بأغلبية 67 صوتا من أصوات الجمعية المائة. فإذا تعذر الحصول على تلك الأغلبية يتم التصويت مرة أخرى ولكن بأغلبية 57 % هذه المرة.
ويميل الكثيرون من أعضاء الجمعية المائة إلى ضرورة العمل بكل جدية للوصول للتوافق أى لأغلبية كبيرة. فالدستور الذى يليق بمصر لا يجوز أن يكون دستورا يتم التصويت على مواده بهامش ضئيل.
إذ يتحتم أن يكون دستورا لا يتوافق عليه فقط أغلب الأعضاء المشاركين في صياغته وإنما يحظى أيضا بتوافق وطني واسع خارج الجمعية. ورغم أن الكثيرين في مصر طالبوا في الشهور الأخيرة بمرشح رئاسي توافقي ثم بحكومة توافق وطني إلا أن الأهم على الإطلاق في تقديري هو أن يكون الدستور توافقيا.
فالدستور الذي يحظى بتوافق وطني هو الأكثر قدرة من الرئيس والحكومة على وضع مصر على أول طريق الحرية الحقيقية وإعادة البناء. فمصر صارت مشكلاتها من التعقيد والتشابك على نحو يستحيل معه على أي تيار سياسي بمفرده أن يعالجها. فبلادي في حاجة لجهود كل أبنائها على اختلاف أفكارهم ورؤاهم.
ومن هنا، فإنه بدون تفكيك حالة الاستقطاب السياسى الراهنة والتي اختلطت فيها الكثير من الأمور والأوراق، ستظل الطاقات المصرية مشتتة والقدرة على بناء وطن حر وقوي محدودة. باختصار، فإن نجاح الجمعية التأسيسية يتوقف على قدرتها على تقديم دستور يمكن أن يتوافق عليه أغلب المصريين. اللهم بلغت، اللهم فاشهد.