في 7 أغسطس 2012 اقر مجلس الوزراء اللبناني مشروع قانون للانتخابات النيابية في لبنان أثار جدلاً كبيراً في الأوساط السياسية قبل عرضه لاحقاً على مجلس النواب.
فمشروع القانون يعتمد قاعدة النسبية التي على أساسها يتم تقسيم الدوائر الانتخابية. وارتأت الحكومة تقسيم لبنان إلى ثلاث عشرة دائرة انتخابية ينتخب اللبنانيون من خلالها مائة وثمانية وعشرين نائبا. وأضيفت إليها الدائرة الرابعة عشرة باسم دائرة المغتربين، تضم ستة نواب. فيرتفع عدد نواب لبنان إلى 134 نائبا ينقسمون بالتساوي بين الطوائف المسيحية والإسلامية وفقا للتقليد السائد منذ اتفاق الطائف عام 1989.
المعيار الأساسي في تقسيم الدوائر هو عدد المقترعين بحيث يكون متقاربا قدر الإمكان بين جميع الدوائر. وتجاوز مجلس الوزراء مبدأ الكوتا النسائية باعتماد صيغة معدلة تلزم اللوائح الانتخابية بأن تضم مرشحا واحدا لكل من الجنسين على كل لائحة انتخابية، بحيث يحفظ حق المرأة اللبنانية.
بدت أوساط الحكومة مرتاحة إلى هذا الإنجاز الذي تم تبنيه قبل قرابة سنة من موعد الانتخابات في ربيع العام 2013. لكن الوزراء الثلاثة لجبهة النضال الوطني الثلاثة التي يترأسها النائب وليد جنبلاط سجلوا اعتراضهم بالتصويت ضد مشروع القانون. وسجل الوزير علي قانصو ، ممثل الحزب السوري القوي الاجتماعي في الحكومة، اعتراضه لدى الامانة العامة لمجلس الوزراء على خلفية أن حزبه العلماني يؤيد النسبية التي تجمع المناطق اللبنانية كافة في دائرة انتخابية واحدة.
توزعت الدوائر المقترحة على الشكل التالي : تقسم كل من محافظة بيروت ومحافظ لبنان الجنوبي إلى دائرتين انتخابيتين، وتقسم كل من محافظات جبل لبنان، ولبنان الشمالي، والبقاع إلى ثلاث دوائر انتخابية، وتعتمد دائرة واحدة للمغتربين.
ورأى أنصار الحكومة أن ما قامت به الحكومة الحالية يشكل إنجازا غير مسبوق في تاريخ الحكومات اللبنانية السابق منذ العام 1960. وأبرز سمات هذا الإنجاز هي التالية: اعتماد النسبية، وتمثيل المرأة، وتمثيل المغتربين اللبنانيين .
لكن المعارضة رفضت تلك الانجازات جملة وتفصيلاً، ورأت في مشروع القانون تهديدا للعيش المشترك، وإثارة الطائفية والمذهبية، وأنه أعلن في ظروف داخلية وإقليمية شديدة التوتر. ووعدت بحشد كامل طاقاتها، وفي جميع الطوائف والاتجاهات السياسية لخوض معركة إسقاطه في مجلس النواب.
ليس من شك في أن مشروع القانون تضمن إيجابيات هامة في تاريخ لبنان السياسي. فاعتماد النسبية خطوة غير مسبوقة في تاريخ الانتخابات النيابية في لبنان. علما أن مطلب النسبية كان جامعا مشتركا بين غالبية القوى السياسية التي ادعت مراراً بأنها حريصة على تطوير النظام السياسي في لبنان على أساس قانون جديد للانتخاب يفضي إلى تمثيل سليم لمكونات المجتمع اللبناني.
واعتبر مشروع القانون الجديد على أساس النسبية الوثيقة الرسمية الأولى الصادرة عن السلطات اللبنانية التي تعتمد نظام الاقتراع النسبي بدلاً من نظام الإقتراع الأكثري غير العادل الذي حافظت عليه القوى السايسية منذ ولادة استقلال لبنان عام 1943 .
وهي المرة الأولى التي نص فيها مشروع قانون للانتخابات في لبنان على ضرورة تمثيل المرأة اللبنانية ولو بالحد الأدنى. لكن المشروع لم يعتمد الكوتا النسائية الإلزامية. مما دفع الحركة النسائية اللبنانية إلى تنظيم اجتماع حاشد في 10 أغسطس 2012 للرد على مشروع القانون بموقف صارم.
يضاف إلى ذلك أنها المرة الأولى التي تخصص فيها مقاعد نيابية للمغتربين اللبنانيين. بيد أن العدد المقترح قليل جدا ولا يرضي طموح المغتربين الذين يزيد عددهم على أعداد المقيمين في لبنان.ويرسلون سنويا تحويلات مالية تقدر ما بين ستة إلى سبعة مليارات دولار أميركي.
سارعت قوى 14 آذار إلى رفض مشروع القانون تحت ذريعة أنه يثير حساسيات طائفية ومذهبية ليس لبنان بحاجة إليها في هذه الظروف المصيرية التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط. كما أن مشروع القانون يزعج كثيراً الزعامات السياسية التقليدية دون أن يثير حماس دعاة النسبية. فنجاح التمثيل النسبي في الانتخابات النيابية وفق مقولات دعاة النسبية السليمة رهن باعتماد لبنان دائرة انتخابية واحدة يكون من نتائجها اعتماد التمثيل السليم لجميع القوى السياسية في لبنان، وتشجيع الولاء الوطني بديلاً من الولاء الطائفي والمذهبي، وتعزيز دور الأحزاب غير الطائفية عبر مختلف توصيفاتها الليبرالية والديمقراطية والعلمانية .
علما أن المشروع الجديد لم يقطع نهائيا مع التمثيل الطائفي في الدوائر المقترحة لانتخابات 2013 النيابية، وتبنى تمثيل المغتربين اللبنانيين على القاعدة الطائفية المعتمدة مناصفة بين المسيحيين والمسلمين.
ختاماً، تعطي النسبية فرصة أفضل لتمثيل جميع الكتل الطائفية والمذهبية. فلا تعود قيادة سياسية تقرر بمفردها مصير الطائفة، وهي تضمن تمثيل المعارضة .
لذلك شكل مشروع القانون الجديد خطوة متقدمة لكنها لم تصل إلى إعلان لبنان دائرة انتخابية واحدة على أساس النسبية. وتعتبر الحكومة أن المشروع بداية عملية اصلاحية لتطوير النظام السياسي اللبناني.
وراعت في توزيع الدوائر الانتخابية المقترحة التنوع المذهبي والطائفي في لبنان، لكن المعارضة رفضته على خلفية أن الحكومة الحالية تمثل فقط أقل من نصف اللبنانيين.
وأنها أصدرته في جو طائفي متوتر. وكان من الافضل مناقشة هذا الموضوع الحساس في ظروف توافق وطني في الداخل، واستقرار إقليمي.
فقانون الانتخاب يحدد مساراً جديداً للسياسة اللبنانية، وهدفه تجاوز ماضي الطوائف وتوتراتها الراهنة ليرسم مستقبلً أفضل للبنان واللبنانيين.
ومن المتوقع أن يشهد المجلس النيابي اللبناني معركة حامية جدا بين أنصار النسبية ومعارضيها، وهم يحشدون جميع قواهم لإقرار هذا المشروع أو تعديله أو إلغائه.