يبدو الاقتصاد الأميركي في أسوأ حالاته الآن منذ الكساد الكبير، ولعلكم تعتقدون أن أحد المرشحين، على الأقل، سيخرج ببعض الأفكار الجريئة حول طريقة تمكننا من الخروج منه. ولكن ما من أحد من المرشحين الاثنين يريد المجازفة بتقديم أي مقترحات كبيرة وجدية.
وكلاهما، بدلاً من ذلك، يعتمد على حملات سلبية تقنع الناخبين بأن المرشح الآخر سيكون أسوأ. ويبدو أن الرئيس الأميركي باراك أوباما قرر الامتناع عن تقديم أي أفكار جريئة حول ما سيفعله في فترته الرئاسية الثانية، حتى لو كان من شأن الكونغرس أن يتعاون معه.
وهو يتمسك بسيناريو بال يفيد أن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش سبب الاقتصاد الرديء، وأن الأعضاء الجمهورييين في الكونغرس عارضوا كل شيء أراد القيام به لدعم الاقتصاد الذي يشهد تحسنا بطيئا على أي حال، وأنه لا ينبغي تمديد تخفيضات بوش الضريبية للأغنياء، وأننا لا يجب أن نخاطر بانتخاب ميت رومني.
ومع ذلك، فإن الجمهور يريد أفكارا أكبر من الرئيس الأميركي، ويريد أن يعرف ما سيفعله في فترته الرئاسية الثانية لإخراجنا من هذه الفوضى.
وأظهر استطلاع أجرته كل من صحيفة "نيويورك تايمز" ومحطة "سي بي إس نيوز" أخيرا أن معظم الناخبين يعتقدون ان أوباما يستطيع فعل "الكثير" حيال الاقتصاد. ويشكل هذا قفزة من رقمين مقارنة بخريف عام 2011.
وكان يمكن للرئيس اقتراح برنامج "إدارة تقدم أشغال" جديد، على غرار برنامج وظائف حقبة الكساد الذي وظف مئات الألوف من الاميركيين العاطلين عن العمل من أجل إعادة إعمار البنية التحتية في البلاد، فضلاً عن "فيلق خدمة مدنية" جديد.
وكان يمكنه اقتراح إعفاء أول 25 ألف دولار من الدخل من الضرائب المفروضة على الرواتب بصورة دائمة، وتعويض العائدات الضريبية المفقودة من خلال إلغاء سقف الدخل الذي يشمله الإعفاء. كما يمكنه اقتراح إحياء قانون "غلاس-ستيغال" وتفكيك البنوك الكبرى، وذلك للحيلولة دون تسبب وول ستريت في انهيار مالي آخر.
ولكنكم لن تسمعوا بأي من ذلك، أو بأي شيء يضاهيه في اتساع النطاق، لأن البيت الأبيض لا يريد أن يقوم بأية مجازفات.
إذ إن استطلاعات الرأي تعطي أوباما ميزة طفيفة في ولايات ساحة المعركة، التي يبلغ عددها ثماني ولايات أو ما يقرب من ذلك، وبالتالي فإن طريقة التفكير في معسكر أوباما تقوم على السؤال القائل: ما الداعي لقول أي شيء يمكن أن يعطي رومني والحزب الجمهوري هدفا للتصويب عليه؟ وبالإضافة إلى ذلك، فإن استطلاعات الرأي تظهر أيضا أن رومني لا يروق كثيرا للناخبين. لذا فقد قرر أوباما خوض هذه الحملة بصفته المناهض لرومني.
إلا أن رومني يلعب بحذر أكبر. فخطته الاقتصادية هي في الحقيقة "لا خطة"، تنطوي على المزيد من التخفيضات الضريبية للأغنياء، وخفض غير محدد للإنفاق، ولا تفاصيل حول الطريقة التي ينوي خفض عجز الميزانية من خلالها.
ولم يسبق لمرشح رئاسي منذ هربرت هوفر في عام 1928 أن كان بهذه الدرجة من الغموض بشأن ما سيفعله حيال القضايا الحرجة التي تواجه البلاد. ويفترض مستشارو رومني أنه تستحيل إعادة انتخاب أوباما والاقتصاد بهذه الدرجة من السوء.
وأظهر استطلاع أجرته صحيفة "واشنطن بوست" ومحطة "إيه بي سي نيوز" في يوليو الماضي ان 44% فقط من الناخبين المسجلين يؤيدون ما يقوم به الرئيس فيما يتعلق بالاقتصاد، فيما يعارضه 54%.
والأمر الأكثر تشجيعا لرومني هو أن 41% عارضوا "بشدة" إدارة أوباما للاقتصاد، وأن 21% فقط أيدوها "بقوة".
لذا فقد خلص مستشارو رومني إلى أن كل ما يتعين على رومني فعله من اليوم وحتى يوم الانتخابات هو تجنب أي خطأ يمكن أن يعطي أوباما والديمقراطيين هدفا يطلقون النار عليه.
فقرر رومني خوض الحملة باعتباره المناهض لأوباما.
وتماشت استراتيجيتا "المناهضين لبعضهما البعض" مع الكثير من الإعلانات السلبية التي بدأت لتوها، ولكنها ستصل إلى أبعاد هائلة بعد عيد العمال.
وسيتم تمويل جزء كبير منها من قبل لجان العمل السياسية العليا والجبهات السياسية، التي بدأت بالفعل في استلام مئات الملايين من الدولارات في هيئة تبرعات سرية.
ويأمل مخيم رومني أن يفوق أوباما سلبية بحوالي اثنين إلى واحد.
وبصرف النظر عما سيحدث يوم الانتخابات، فإن الرئيس الأميركي المقبل سيحتاج إلى التعامل مع إعاقتين اثنتين. أولًا، لن يكون الجمهور قد أيد أية أفكار جديدة أو خطط جريئة، وبالتالي فإنه لن يحظى بولاية واضحة لفعل أي شيء حيال الاقتصاد.
ثانياً، الأمر الوحيد الذي سيكون الجمهور قد اتخذ قرارا بشأنه هو أنه يخشى ويرتاب في الرجل الآخر بدرجة أكبر. وهو ما يعني أن الفائز كذلك سيحمل عبء اعتقاد ما يقرب من نصف الناخبين بأنه وغد أو أسوأ من ذلك.
الاقتصاد الأميركي في أسوأ حالاته الآن منذ الكساد الكبير، ولكننا نشهد انتخابات مناهَضة من شأنها أن تصعب على الشاغل المقبل للمكتب البيضاوي فعل شيء حياله.