عندما نتحدث عن الإعلام والأدوار التي يلعبها والأخرى التي يجب أن يقوم بها فنحن لا نتحدث عن متغير يقوم بمهام منفصلة عن واقعه، أو أن المنظومة الإعلامية منفصلة عن المنظومة القيمية أو الاقتصادية أو الاجتماعية المتأصلة في المجتمع والتي تلقى القبول العام.

وهذا ما يجعلني أدق دقا منتظما على قناعاتي التي سأظل مؤمناً بها وهي أنه ليس هناك منظومة إعلامية تصلح لكل المجتمعات، ولكنها تخرج من عمق ترابه تتلبس بلباسه وتتدثر بقيمه وتلقى القبول من أفراده.

ومن المعلوم بالضرورة أنه ليس هناك إعلام يعمل دون سياسة إعلامية، تترجم في خطط طويلة أو قصيرة المدى تحقق أهدافه السياسة حتى في تناولها للخبر، لذا هناك قاعدة إعلامية مسلم بها وهي أن الأخبار نسبية، فما تراه إحدى المؤسسات الإعلامية خبرا قد لا تراه أخرى خبراً.

أقول إذا كان الأمر يتم على هذا النحو في تناول الأخبار، وهي المادة التي يجب أن يتفق عليها الجميع، فلا مناص من التسليم بأنه يتم في باقي الأشكال والقوالب، وبالتبعية في الأدوار التي تلعبها الوسيلة حسب ظروف المجتمع، ولا يعتبر هذا خللا أو تجاوزا لكنه الواقع الذي يتبادل التأثير والتأثر بالمؤسسة الإعلامية، وهذا هو الفرق بين الإعلام والنشر، فالنشر قد يكون من اتجاه واحد لكن الإعلام عملية يتم فيها تبادل التأثير.

وإذا كانت هناك مدارس إعلامية صوتها أعلى من ممارساتها الحقيقية، تنادي ليل نهار بحرية وسائل الإعلام وحقها في تناول ما تراه وقت ما تراه، وأن أي عوائق تحول بينها وبين ذلك هي تعدٍّ على حرية الإعلام ..

أقول لا بأس في ذلك، ولكن حتى الحرية التي نادى بها البعض وننادي بها نحن وكل المعنيين بالشأن الإعلامي لم تكن أبدا مطلقة بلا سقف وبدون ضوابط وإلا أصبحت شكلا من الفوضى، والأمثلة على ذلك من حولنا كثيرة.

كما أن الممارسات الإعلامية وما نتج عنها في ديمقراطيات العالم غربا وشرقا هي التي أنتجت نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام تصحيحا وضبطا للممارسات، فمن عانى من الحرية غير المسؤولة هو من وضع قواعد وضوابط للممارسة التي تجعل لوسائل الإعلام دورا اجتماعيا كي لا تغرد بعيدا عن السرب متناسية أو متجاهلة حق المجتمع عليها.

فكما أن لوسائل الإعلام وظائف براقة يسعى إليها كل فرد وينادي بها، مثل نشر الأخبار والتحليل والتفسير ونقل التراث والترفيه، إلا أن هذه الوظائف مثلما أن لها وظائف مطلوبة ومرغوبة إلا أن الوجه الآخر منها غير مرغوب وغير مطلوب.

فإذا كانت الأخبار تمثل لنا جرعة الهواء التي تشعرنا أننا كائنات حية تتواصل مع غيرها، وأننا جزء من العالم المحيط بنا ندرك من خلالها المخاطر التي نتعرض لها لنتوخى الحذر ونأخذ الحيطة، إلا أن نشر هذه الأخبار بدون تحري الدقة قد ينشر الذعر بين الناس، وكذلك المبالغة في تكرار ظواهر معينة قد يؤدي إلى سلوكيات غير سليمة.

أتذكر ما حدث منذ سنوات في أول يوم دراسي حين ذهبت بأولادي إلى مدرستهم فوجدت واحداً من أولياء الأمور يلبس أولاده أقنعة واقية تشبه ما يرتديه الجنود أثناء الحرب الكيماوية خوفا عليهم من أنفلونزا الخنازير، قلت في نفسي من الذي أوصل الرجل إلى هذا الحد من الهلع؟ و لم لا وقد أغلقت بعض البلدان العربية مدارسها لشهور، ثم مر الأمر كأن لم يكن، ولم نعد نسمع عن هذا الفيروس شيئا، وكلا الأمرين خطأ، فلا إفراط ولا تفريط.

كما أن المبالغة في التخويف قد تعجز الفرد عن القيام بفعل محدد وتشل قدرته على التفكير، والزيادة في بث الأخبار الخاصة بالأزمات قد تصيب الفرد بالإحباط والتشاؤم وتشعره بالعجز الذي يدفعه إلى الانسحاب وتقوقعه على نفسه مهتما بشأنه الخاص.

كما أن الكم الضخم من الأحداث الذي تصبه وسائل الإعلام على أدمغة الناس ليل نهار تستنفذ جزءا كبيرا من طاقاتهم في المتابعة دون أن تعطي لهم فرصة القيام بسلوك محدد، وهو ما يمكن أن نعتبره المعرفة السلبية التي لا ينتج عنها سلوك.

لكل هذا ينادي المعنيون والمهتمون والحريصون على ضبط العلاقة بين الإعلام والمجتمع، ويؤكدون على الأدوار التي يجب عليه ألا ينساها في خضم البحث عن مصادر للتمويل، أو كسب قطاع أكبر من الجماهير يضمن تدفق المزيد من الإعلانات.

وأهم ملامح تلك العلاقة هي ديمقراطية الاتصال التي تعني أن يكون للجمهور دور فاعل في صنع الرسالة الإعلامية التي يحبها، لا أن تفرض عليه، ولا أن يتم استنساخها أو تقليدها من مجتمعات أخرى وتلقى في وجهه.

ولكن من الضروري على وسائل الإعلام أن تقبل التزامات معينة تجاه المجتمع، إن هذه الالتزامات يمكن تنفيذها من خلال الالتزام بالمعايير المهنية لنقل المعلومات، مثل: الحقيقة والدقة والموضوعية والتوازن، من خلال مواثيق شرف صحفية قبل القانون، ليكون الضمير الصحفي والرقيب النفسي أسبق وأجدى.

و أنه لا يجب إذاعة أو نشر ما يؤدي إلى تكدير الأمن العام أو السلم المجتمعي، أو ما ينتج عنه العنف أو الفوضى، أو إذاعة أخبار غير موثقة رغبة في السبق على حساب الحقيقة.

كما أن على وسائل الإعلام أن تكون منبرا للتعبير عن كافة الآراء، فالإعلان عن الرأي أفضل لمعرفته وتصويب الخطأ منه، كما أن للمجتمع حقاً على وسائل الإعلام في الإعلاء من المهنية، وأن شرف المهنة ومصلحة المجتمع سابقة على كافة الاعتبارات.

كان من المعلوم يقينا أن المسؤولية الاجتماعية تتطلب من وسائل الإعلام أن تكون أداة من أدوات البناء لا الهدم، وفي مواجهة عقبات التنمية لا إغراق المشاهد في طوفان من التسلية والترفيه حتى الموت.

كما تساعد في تنمية التفكير الابتكاري لدى الشباب لا اختزال أحلامهم في برامج المسابقات، وأن تشيع ثقافة أن قيمة الإنسان تأتي من مقدار ما يحمله من علم لا ما يملكه من حسابات في البنوك، وأن العلم هو السبيل الوحيد إن لم يكن الأوحد لبناء الوطن، وعليها أن تؤكد أن القيمة الحقيقية للفرد تأتي بمقدار ما يقدمه لوطنه وفي الحفاظ على أمنه واستقراره وأن يبذل في سبيل الحفاظ على مكتسباته كل غالٍ ونفيس، لكل ذلك فإن المسؤولية الاجتماعية فريضة إعلامية.