جاءت انتفاضات الربيع العربي بسبب إفرازات كثيرة عانت منها الدول العربية التي شهدت ثورات ما أطلق عليه الربيع العربي. فقد عانت تلك الدول من قضايا غياب العدالة الاجتماعية والديمقراطية والشفافية ومن وجود الفقر والدكتاتورية والفساد والبطالة وغيرها من القضايا الأمر الذى أدى الى انتفاضة شعوب تلك الدول للمطالبة بحقوقهم الاساسية.

وانتشرت ثورات الربيع العربي لتطال عددا من الدول العربية التي تشابهت في الظروف السياسية والاقتصادية يؤجج تلك الثورات افكار وايديولوجيات وعقائد كثيرة بعضها محلي والبعض الآخر استجلب من الخارج. كما أوجدت بعض الأطراف الخارجية أجندات خاصة بها لتستفيد من الربيع العربي لتحقيق غايات ومكاسب خاصة.

وعلى الرغم من أن منطقة الخليج عرفت بأنها منطقة أمن واستقرار إلا أنها تأثرت أيضا بإفرازات الربيع العربي كغيرها من مناطق الجوار.

وكما تنتشر النار في الهشيم دون سبب طالت إفرازات تلك الثورات العديد من البلدان العربية التي تتشابه في ظروفها مع بلدان الربيع العربي وأيضا تلك التي لم تشبهها أصلا ولا تتوفر فيها مسببات تلك الثورات.

غير أن حب التقليد أحيانا والرغبة في استجلاب أفكار معينة وتطبيقها محليا دعت بعض التيارات الى الدعوة للتغيير غير مدركة أصلا ماهية التغيير المطلوب أو الأسباب التي تدعو الى استجلاب ذلك التغيير.

وظهرت تيارات أصولية مستمدة القوة من بعض الأطراف الخارجية ومنتهزة فرصة التغيير العربي أو الفوضى داعية الى إحداث تغيير جذري ربما لا يخدم الا أجندات خارجية ولا يهدف الا الى زعزعة السلم والاستقرار العام في البلدان التي كانت آمنة أصلا.

ولو نظرنا الى الأسباب التي تبنتها تلك التيارات الراديكالية التي تطالب بالتغيير، عندنا مثلا، لوجدنا أنها أسباب واهية وتقليد أعمى صارخ. فالعدالة الاجتماعية التي يطالبون بها موجودة أصلا وأسس لها قبل أكثر من خمسين عاما قادة ومؤسسون عظام أدركوا قبل غيرهم، وقبل أكثر من نصف قرن تقريبا، أهمية وجود العدالة الاجتماعية ليخلقوا دولة رفاه لا نظير لها على مستوى بلدان العالم. فلا يوجد لدينا جائع أو محروم، ولا يوجد لدينا من لم يحصل على فرصة حياة كريمة سواء كان مواطنا أو مقيماً.

أما المشاركة العامة والشفافية فقد وضع قادتنا أسسها بوضوح لتصبح دولتنا مشهودا لها في كافة المجالات. فلا يوجد لدينا فساد ومحسوبية كذلك الموجود في الدول الاخرى ولا يوجد استبداد وديكتاتورية وظلم كذلك الموجود في البلدان الأخرى.

فبماذا إذاً يطالب دعاة التغيير؟ هل الى استجلاب الفوضى وعدم الاستقرار في المجتمع أم الى استجلاب نظام لا يخدم إلا مصالح فئة وتيار معين؟ هل تساءلت تلك التيارات فيما بينها عن نسبة التأييد لها في مجتمعنا أم أن اعتمادها على الأطراف الخارجية يكفيها؟ أسئلة كثيرة تجلب لنا الحيرة والدهشة بل الغضب.

ونحن نتابع الأحداث الأخيرة لفئة لم تفكر كثيرا في مصير المجتمع الذي تعيش فيه بل تريد جره الى طريق لا تعرف حتى هي نهايته، طريق سارت عليه من قبلها كثير من تيارات بلدان الربيع العربي ولم تجنِ من ورائه الا الفوضى وعدم الاستقرار وغياب القانون والنظام.

والغريب في الأمر أن تلك التيارات المحلية لم تسأل نفسها بعد مرور كل هذا الوقت عن المصلحة التي سوف تجنيها هي من وراء أحداث تلك البلبلة أو عن ماهية التغير المطلوب أو الطريق المبهم الذي سوف تجرنا جميعا اليه؟

لقد قال الله تعالي في مجمل كتابه " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها". ولقد حبانا الله بنعمة الأمن والاستقرار وهي نعمة لا يدركها الا من افتقدها، وحبانا الله بحكام أطعموا جياع العالم فلن يعجزوا عن إطعام رعاياهم، وحبانا الله بقيادة وضعت هم مواطنيها نصب أعينها فلن يعجزوا عن رعاية فئة صغيرة.

لقد حبانا الله بالكثير من النعم التي ربما نحن غافلون عنها ولكننا حتما سوف نتذكرها حين تغيب عنا ولن نسمح لأحد بأن يفرط فيها.

لقد وضعتنا هذه التيارات بأعمالها تلك تحت الاختبار فخرج أجمل ما فينا. لقد خرج مجتمعنا من هذه التجربة موحدا ومؤيدا لقيادته، وخرج شعبنا متحدا رافضا شق الصف. حتى المقيمين أظهروا تعاضدهم معنا ورفضوا تصديق تلك المقولات التي أطلقتها تلك التيارات المنحرفة.

ولربما وقفت معهم فئات من لهم مصالح خاصة أو مرتبطون بأجندات خارجية أو ربما لتحقيق غايات وأهداف وقتية. ولكن من المؤكد أن كل من يحبنا ويحب مجتمعنا رفض دعوتهم أو الانضواء تحت رايتهم.

الإمارات بلد آمن منذ تأسيسه بأن للمواطن حقوقا مقدسة لا يجوز المساس بها، حقه في العيش الكريم وحقوقه المدنية كافة بما فيه حرية التعبير، جميعها حقوق مكفولة له طبقا للدستور واللوائح المعمول بها. ولم تنقطع يوما سبل التواصل بين الشعب والقيادة.

فهناك قنوات مفتوحة بين الحاكم والمحكوم بحيث تنقل للحاكم هموم المواطن وتفسح له المجال لإيجاد الحلول المناسبة الأمر الذى يكفل تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع من مواطن ومقيم. بهذا تتميز بلدنا وتفتخر. ففخر بلدنا ليس في سجل إنجازاتها المادية والتنموية وليس في العمارات ولكن في سجل إنجازاتها البشرية. هكذا أراده لها مؤسسها الشيخ زايد وهذا ما تسير عليه قيادتنا الحالية.