أرسلت إحدى شركات الأحذية مندوبين لها إلى واحدة من جمهوريات وسط إفريقيا، وبعد رحلة استمرت أسبوعين عاد الاثنان وقدمّا تقريراً موجزاً للمدير، أولهما كتب: "رحلة فاشلة، إهدار للأموال، لا توجد سوق لأن السكّان لا يلبسون أحذية أصلًا!"، بينما كتب زميله: "رحلة ناجحة، تفكير موفق، وسوق ما زالت بكراً لأن السكان ما زالوا لا يلبسون أحذية حتى الآن!". هل يعقل أن يكون هناك انطباع بحجم هذا التناقض لذات المشهد ونفس الموقف؟ نعم من الممكن جداً، إذ تتحكم في رؤانا نفسياتنا وما سبق أن قمنا بتخزينه في عقلنا الباطن.
فالبعض دائم التردد لا يرى من الكأس إلا نصفها الفارغ، والبعض يرى النصف المملوء، والبعض الثالث يتساءل: لماذا استخدمنا كأساً كبيرة دون داعٍ؟ وما أشبه أيام حياتنا بالأراضي الجرداء، هناك من يتعب ويجد لزراعتها ورعايتها لتعود له بمحصول وافر، بينما هناك من ينتظر الأرض نفسها لكي تقوم بالمهمة نيابة عنه، ويلوم الظروف السيئة إن تعذّر ذلك، وإذا نظر للأراضي من حوله وهي خضراء غنّاء، قال: "حظه يكسر الحصى"، غافلاً عن أنّ الحظ دائماً يختبئ خلف العمل الجاد.
قبل عّدة أيام توفي الكاتب الشهير ستيفن كوفي، والذي لو لم يترك بصمةً سوى كتابه "العادات السبع للأشخاص الأكثر فعالية" لكفاه، فقد كان أثر ذلك الكتاب - والذي طُبِعَ منه فوق العشرين مليون نسخة بمختلف لغات العالم - كبيراً على حياة وسلوكيات الملايين من البشر، وقبله بعدة أشهر سبقه العربي (المتبرأ منه) ستيف جوبز رئيس شركة آبل، بعد أن غيّر عالم الحواسيب والهواتف بطريقة لم يسبقه بها أحد، رغم أنه قد طُرِدَ من نفس الشركة التي أسسها، فلم ييأس أو يُضيّعْ أيامه في النواح والحطّ على من تآمروا عليه، لأنه عَلِمَ أنّ لحظات عمره ثمينة، وحقّها ألا تُنفق إلا في أمرٍ منتج أو تفكير إيجابي، فنجح في تأسيس شركتين ناجحتين هما "نيكست" و"بيكسار"، ليعود من الباب الكبير لشركته الأم ويقودها لتصبح الرقم واحد في عالم التقنية.
ففشل المحاولة لا يُثبّط إلا الصغار، أمّا أصحاب الهمم العالية فلا تزيدهم العثرات إلا إصراراً على النجاح! واقعنا العربي يُغني عن كل مقال، فالدراسات الدولية الأخيرة حول معدلات القراءة في العالم، أوضحت أن معدل قراءة المواطن العربي "ربع صفحة" سنوياً، في الوقت الذي تبين فيه أن معدل قراءة الأميركي 11 كتاباً، والبريطاني 7 كتب في العام.
وفوق ذلك فالطفل العربي يقرأ ما معدله 100 صفحة سنوياً، بينما يقرأ نظيره الأوروبي 50 كتاباً كاملاً، فكيف يتطور بلدٌ مواطنوه لا يُطوّرون أنفسهم؟ فمذ متى استقام الظلّ والعود أعوج! وكيف بمقدور أوطاننا أن تترك أثراً وضّاء في مسرح الحضارة والمدنية، إنْ كُنّا نخذل أوطاننا بخذلاننا لأنفسنا؟ ليس هذا من باب جلد الذات كما يهوى البعض أن يدّعي، ولكنه جرس إنذار قبل أن يتسع الفتق على الراتق وتتباعد المسافة بيننا وبين ركب الصدارة العالمي، فالتفوق يستوجب إعداداً والتزاماً وإرغاماً للنفس على التزود من مشارب المعرفة، حتى تؤتي ثمارها لاحقاً شخصاً منتجاً.
كنت في محاضرة في أحد المؤتمرات، فسألت الحاضرين: كم منكم قرأ كتاب "الأب الغني والأب الفقير" لروبيرت كيوساكي؟ فارتفعت عشرات الأصابع، فأعقبته بسؤال آخر: إذاً، كم منكم أصبح مليونيراً بعد قراءته لهذا الكتاب؟ فانخفضت كل الأيدي وأنا أسمع ضحكاتهم.
لم أستغرب ذلك البتّة، فنحن حاصل نظام تعليمي يعتمد على الحفظ أكثر من النقاش والبحث عن عِلّية الأمور وسبب وجودها، فقد كُنّا ننسى كل شيء تقريباً بعد الاختبار النهائي بأيامٍ قلائل، فنَمت ورافقت هذه "الخصلة" من بقي يقرأ منا، فنحن نقرأ لأن الآخرين يقرأون، أو ربما لملء الفراغ بشيء إيجابي، لكن دون ردم تلك الهوّة بين المعلومة وتنفيذها، وبين ما نعرف وما يجب أن نقوم به لتحقيق فائدة تلك المعرفة، متناسين أن قارورة العطر لا تنتفع بما تحويه من عطر حتى تُطلق سراح عبقه على من حولها!
إن البشر أشبه بالممالك، لها فترات ازدهار عند شبابها، ثم تنحدر وتضمر في نهاياتها، ومن الواجب أن يستغل كل شخص فترة النتاج والازدهار تلك، فهي إن عبَرت لن تعود مرة أخرى ولن ينفع معها ندم، ودورنا أن نعرف ما هي تلك الفترات لنحسن استغلالها، إن أردنا أن نضع بصمة على مسار الأحداث، فبمرور السنين ينضج الكاتب وتُصقل موهبة الفنّان وتتسع خبرة التاجر، ولكن في المقابل مرورها يأفل معه نجم الرياضي، ويهن عظم العامل، وتصعب مهمة الجندي!
نحن أحياناً نفترض وهماً مبنياً على حقيقة، فالحقيقة أننا نكبر في العمر، والوهم هو أننا نزداد حكمة ومعرفة كلما كبرنا، فتلازمهما فرضي في الغالب، ولئن انتبهنا بطريقة جدية فإننا سنجد أن كل البشر "متنبئون" ناجحون بدرجة امتياز، فالناجح قد تنبأ بنجاحه وناضل واجتهد ورأى خلف العراقيل تحدياتٍ لاختبار معدنه، بينما تنبأ البعض الآخر بفشله فتقاعس ولم يرَ في تحديات الحياة إلا لافتة "ممنوع الاقتراب"، فأنت كما ترى نفسك .
وكما ترى ما يعترض مسارك، فإما أن تكون كبائع الأحذية الإيجابي وتضع لك في كل خطوةٍ تخطوها بصمة ملحوظة أو تشعل سراجاً لمن سيمرون خلفك، أو أن تكون غارقاً في السلبية تنتظر أن تُنبِتَ لك الصحراء ثماراً يانعة، دون أن تُحرك ساكناً أو تُسكّن متحركاً.. فالعابرون خلسة لا يشعر بهم أحد، ويستكثر الطريق أن يتركوا به أثراً!