يأتي شهر رمضان وتشتد المنافسة بين القنوات العربية في عرض الأعمال الدرامية، التي يتم التنويه عنها قبل الشهر بأشهر، ونتيجة لما يشهده الشارع العربي من ثورات ما زالت تدور رحاها، وأخرى انتهت .

لكنها ما زالت تبحث لنفسها عن طريق، نتيجة لكل ذلك اتجه الكثير من نجوم السينما إلى الشاشة الصغيرة، في ظل الأزمة التي تعيشها صناعة السينما العربية وترقبا لما ستسفر عنه الأيام القادمة، خاصة وأن هناك الكثير من الملامح السياسية التي ما زالت في طور التشكل.

ولكل هذا حفلت الشاشات العربية بالعديد من الأعمال الدرامية، التي تسابقت الفضائيات العربية على عرضها بتمام عددها في أوقات متباينة صباحا ومساء، للدرجة التي تجعل المشاهد حتما ملاقيها أيا كان الوقت الذي يجلس فيه أمام الشاشة.. وهنا أود أن أسجل بعض الملامح التي رشحت من خلال مشاهدة حلقات لبعض من الأعمال الدرامية.

على الرغم من أن هناك أعمالا فنية تحمل قيمة، وبعضها أثار جدلا شرعيا والبعض الآخر تحرك بقدرات خاصة لأبطاله بما لديهم من قدرات تستطيع أن تملأ المساحة الخالية من المتانة الفنية، إلا أن الملفت للنظر هو هذا التسابق بين القنوات في عرض تلك الأعمال.

التي تفوق طاقة المشاهد على المتابعة أو التقييم أو الاستمتاع، وأن كثيرا من القيم الفنية تاهت وتسربت وضاعت في ظل لغة الحوار الهابطة والغريبة وغير المبررة، والتي تحمل قدرا من الشتائم والألفاظ التي لم نعتد على مشاهدتها على شاشتنا العربية.

فلا تكاد تمر حلقة من بعض الأعمال إلا وفيها قدر من السب بألفاظ يعاقب عليها القانون، وهنا لا يمكن أن تقيم عملا بمعايير فنية وأنت تراه تحول إلى وصلة من الشتائم التي تطال الأب والأم، فرداءة اللغة تغطي على الإبداع، والشتائم والألفاظ الخارجة لا تكوّن وجدانا ولا تصنع فنا جميلا.

والتساؤل هو: هل هذه الحالة الدرامية الغريبة علينا تعكس حالة الانفلات التي يعيشها الشارع؟ وهل الدراما تحاول أن تبحث لنفسها على شكل جديد يتخطى كثيرا من الضوابط التي اعتدنا عليها، فتحولت إلى عنف شديد سواء في العنف اللفظي المستخدم أو العنف الجسدي، دون وجود دوافع واضحة ومقنعة، والمبالغة فيها للدرجة التي تصيبك بالغثيان وتصيب الأطفال بالهلع؟ حتى اختيار أسماء الأعمال الدرامية في معظمها عكست هذه الحالة من العنف.

وإذا كان منطق صناع الدراما من كتاب السيناريو والمنتجين والمخرجين، أن هذه اللغة وتلك السلوكيات موجودة بالفعل في الشارع فلا يجب أن نخفيها ونقدم مجتمعات مثالية.. أقول إذا كان هذا منطقهم، أتساءل هل كل ما يحدث في دنيا الناس يسمح بتقديمه والترويج له؟ لماذا إذاً يحذر الإعلان من السجائر رغم أن نسبة المدخنين في العالم كبيرة من كل الشرائح؟

الخطورة تأتي من أن تقديم هذه الصيغة العنيفة من الحوار، بما تحويه من لغة غاية في الرداءة والخروج على كل الحدود المقبولة وتأطيرها في أعمال درامية تدخل البيوت، تجعل المشاهد يعتاد على سلوك كان يرفضه، وتكون لدى الأجيال الناشئة من المراهقين والناشئة، قاموسا لغويا لا يرى فيه غرابة أو حرجا.

وخاصة أنك تعطيه الشرعية عبر تقديمه في أشكال درامية يشاهدها معظم أفراد الأسرة، وهو ما دفع بعض الصغار ببراءتهم إلى التساؤل؛ هل ما يسمعونه من كلمات يحدث في الواقع؟ ولم أجد إجابة شافية لهم سوى أن الدراما أحيانا لا تعكس الواقع بشكل حقيقي، ولكنها قد تتخطى الواقع إلى درجة أقرب إلى الخيال أو الفانتازيا التي تلتقط حدثا لتسلط عليه الضوء وتجعل منه حالة، ولم أعرف هل أقنعتهم بجوابي أم لا؟

وإذا كان بعض المبدعين يرون أنه لا يجب الوقوف ضد حرية الإبداع، أقول منذ متى كانت الحرية تعني إطلاق ألفاظ تخدش الحياء وتجرح المشاعر؟ إن الإبداع الحقيقي التزام بقيم المجتمع ونسقه الاجتماعي، وهو ما يجعل الجمهور يلتف حوله ويجد فيه متعه تعلي من شأنه، ولا قيمة لأي فن ينصرف عنه المشاهد، مهما كانت قيمته في نظر صانعيه.

ثم أليس من الإبداع أن أصل بفكرتي للمشاهدين دون أن أخدش حياءهم أو أوذي أسماعهم؟ ألم يتناول المؤلفون وكتاب السيناريو قاع المجتمع العربي بعشوائياته وحاراته الضيقة دون ابتذال؟ ثم إذا كان هذا مسموحا نسبيا في الأعمال السينمائية، حيث يختار روادها نوعية الأعمال التي يرغبون في مشاهدتها، فإنه من غير المقبول أن يقدم ذلك في دراما تقتحم البيوت دون استئذان، والحديث عن القدرة على الضبط والسيطرة عبر اختيار ما تتم مشاهدته، فيه مبالغة وتسطيح كبير لتلك المسألة.

وحتى من الناحية الفنية، هناك العديد من الأعمال التي تخلو من القيمة الفنية الحقيقية، ومنها على سبيل المثال مسلسل "الزوجة الرابعة"، الذي لم أجد فيما شاهدته من حلقات قليلة منه، غير ثرثرة لا حبكة فيها ولا هدف من ورائها، كما أنه أساء إلى صورة المرأة وأفقدها الدور الحقيقي الذي تقوم به في الواقع الفعلي.

وهو أكبر بكثير من هذه الفجاجة والألفاظ الخادشة التي جاءت على لسان بطل العمل الذي لم يكن مقنعا لكثير من المشاهدين، كما أنه نسخة لا تختلف كثيرا عن مسلسل "الحاج متولي" الذي عرض منذ سنوات، مع الفارق.

إن الدراما هي الذاكرة المرئية لتاريخ الشعوب، كما أنها في الوقت ذاته المرآة التي تعكس حاضرهم وقضاياهم ورؤيتهم لأنفسهم، كما أنها من أهم أدوات تثقيف الشعوب بمختلف شرائحهم وتنوع ثقافاتهم. وما يتم عرضه من أعمال درامية في رمضان على الشاشات العربية، يؤكد أن الطريق أمامها ما زال طويلا.

وأننا بحاجة إلى كثير من الفن الذي نحبه ونستمتع به، ويتعلم منه أبناؤنا قيمة تؤثر في وجدانهم وتشكل سلوكهم، كما نحتاج إلى قليل من العنف، سواء كان بالكلمة أو بالسلوك، بدلا من هذا الإغراق في العنف الشديد مع قليل من الفن.