اليوم هو الثامن عشر من شهر رمضان المبارك.. هل تصدق ذلك؟!
عبارة ربما تسمعها اليوم، وربما تكون قد سمعتها أمس، أو ستسمعها غدا، مع اختلاف الأرقام بالطبع. ثم يتبعها حديث عن الوقت وبركته التي انتزعت منه، وعن تسارع وتيرة الزمن وجريانه على نحو لا يمكن ملاحقته، وعن المشاغل وكثرتها وعدم كفاية ساعات اليوم للقيام بإنجازها.
فأين تكمن المشكلة بالضبط؟ هل هي في الوقت الذي ذهبت بركته فعلا، أم هي فينا نحن الذين لا نتقن فن إدارة الوقت، ولا كيفية استغلاله بالشكل الأمثل لتحقيق الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها في ظل الساعات الأربع والعشرين المتاحة لنا؟
يحدث أن تدخل مكتبك في بداية الدوام وتنغمس في العمل، فلا تشعر بمرور الوقت، لتجد أن ساعات الدوام قد شارفت على الانتهاء دون أن تنجز كل ما هو مطلوب منك، بينما يجلس في المكتب المجاور لك زميل ينظر في ساعته بين الفينة والأخرى متأففا، ويشعر أن عقارب الساعة لا تتحرك من مكانها، أو هي أقرب ما تكون إلى السلحفاة في مشيها.
فأين يكمن الخلل هنا؛ هل هو فيك أنت الذي تستغل وقت العمل في إنجاز ما هو مطلوب منك، أم في زميلك الذي يستغل الوقت في مراقبة عقارب الساعة، وانتظار وقت الانصراف لإنجاز أعمال أكثر متعة في نظره؟
هل تذكر عندما كنت طالبا في المدرسة؟ كانت حصتا العلوم والرياضيات تبدوان لك دهرا، بينما كانت حصتا الرياضة والتربية الفنية تمرقان كالبرق، ما تكاد الواحدة منهما تبدأ حتى تنتهي، مع أن كل الحصص متساوية في المدة، لكن إحساسك بالزمن هو الذي يختلف ويجعل حصة معينة تبدو أطول من الأخرى.
والشيء نفسه ينطبق على اليوم كله، إذ تبدو ساعات الدراسة طويلة ومملة، بينما تمضي بقية ساعات اليوم سريعا، وتنتهي دون أن تشبع حاجتك من اللعب.
الحديث عن بركة الوقت يرتبط بشكل تلقائي بالدين، ويستند إلى الحديث الذي أورده الترمذي في سننه عن أنس بن مالك، الذي ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة. وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كالضرمة من النار".
تقارب الزمان هذا ربما يكون حسيا وربما يكون معنويا، لذلك نستغرب عندما نقرأ سير العلماء فنجد كثيرا منهم قد ترك عشرات المؤلفات في الفقه والتفسير والعقيدة والعلوم الأخرى، بينما لا تتجاوز أعمار الكثيرين منهم الخمسين عاما، والستين في أحسن الأحوال، في زمن لم تكن تتوفر فيه المراجع والوسائل الحديثة الزاخرة بملايين المصادر التي يمكن الرجوع إليها عند التأليف للتوثق من المعلومات، علاوة على الكتابة التي تستغرق من الزمن ما تستغرق، وأدوات الطباعة التي لم تكن متاحة في تلك العصور.
ترى من الذي اخترع الساعة، وكيف تم تقسيم النهار والليل إلى أربع وعشرين ساعة؟
سؤال ربما لا يطرحه الكثيرون ممن ينظرون طوال اليوم إلى ساعاتهم، إذ لا يبدو مهمّا كيف جاءت الفكرة، ولا كيف تطورت من الساعات "الشمسية" إلى "المائية" ثم "الرملية" وصولا إلى "البندول" و"الكوارتز" و"الكهرباء" و"الذرة" في صناعة الساعات وضبط وقتها، بل المهم هو كيف تمر هذه الساعات على كل واحد منا، وإلى أي مدى تبدو سريعة أو بطيئة، تبعا لحالتنا النفسية التي تحدد سرعة هذه الساعات البيولوجية لا الفعلية.
عام 1895 أصدر الأديب وعالم الاجتماع والمؤرخ الإنجليزي "هـ. ج. ويلز" روايته الخيالية الشهيرة "آلة الزمن"، التي تتحدث عن عالم يخترع جهازا يعمل على مبدأ الحركة ذهابا وإيابا في البعد الرابع.
ينتقل هذا العالم إلى المستقبل البعيد "سنة 802701 بعد الميلاد"، فيجد أن مستقبل البشرية مظلم، حيث إنه من خلال المسافة الطبقية بين الأغنياء والفقراء، يظهر جنسان من البشر، كل جنس أحفاد لمن سبقوه، فأحفاد الأغنياء يكونون جنسا غبيا ضعيفا يسمى "الأيلو".
وذلك بسبب تطورهم عبر الزمن، وعدم حاجتهم إلى القوة أو الذكاء لأنهم كانوا منعمين. أما أحفاد الفقراء فيتحولون إلى حيوانات لا تمت إلى البشر بصلة، ويطلق عليهم "المورولوك".
يعيش "المورولوك" تحت الأرض، يعملون ويكدون كما كان يعيش آباؤهم وأجدادهم، لكنهم يستغلون ضعف الجنس الآخر "الأيلو" ويتغذون عليهم، إذ يدعونهم يأكلون ويشربون وينعمون، إلى أن يأتي الدور على أحدهم فيخطفونه ليصبح طعاما لهم.
"آلة الزمن" الرواية التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني، وأنتجت منها "هوليوود" فيلما سينمائيا أخرجه "سيمون ويلز" حفيد كاتب الرواية، واستمد منها الكثيرون أفكارا لروايات وأفلام شبيهة، هذه الآلة ربما تبدو حلما لأولئك الذين يريدون الهرب من الواقع، إما بالعودة إلى الماضي، إذا كان هذا الماضي في نظرهم أفضل من الحاضر، أو بالذهاب إلى المستقبل، إذا كان هذا المستقبل في نظرهم يحمل الأفضل الذي يبحثون عنه.
ويبقى الحديث عن الوقت وبركته متصلا، ربما لخشية البعض من جريان الزمن وتسرب العمر من بين أصابعهم، وربما لرغبة البعض في الإمساك باللحظة الحاضرة خوفا مما سيأتي بعدها.
وتبقى الحقيقة الوحيدة أن الوقت هو الوقت، وأن نظرتنا للزمن هي التي تتغير، تبعا لدرجة الرضى التي نشعر بها؛ رضانا عن الزمن الذي نعيشه، ورضانا عن أنفسنا الذي يبدو أنه غاية لا تدرك.