لا نأتي بجديد حين نقول إن الأزمة السياسية في العراق تزداد تعقيداً، فهي تنتقل من وضع خطر إلى وضع آخر أكثر خطورة، ويزداد اتساع المسافة بين الفرقاء. وفي الوقت الذي ينقسم فيه هؤلاء بين داع للحوار وتبني مبدأ القيام بإصلاحات، وبين آخر يئس من الاستمرار في دوامة التجارة بالكلمات والوعود.
ولا يرى وسيلة للحل غير تغير فوري وجذري في الأيدي التي تمسك بدفة الحكم، يحصد الناس تردٍ مستمر في الأوضاع وتزايد في النقمة في الأوساط الواسعة من الشعب. فالشاب محبط لانعدام فرص العمل، والكهل محبط لأن ما يتقاضاه كراتب تقاعدي أو معونة اجتماعية، لا يكاد يسد الحاجات الأساسية من متطلبات الحياة.
إلا أننا لا نقول هذا أو ذاك ولا نتفق مع السياسيين فيما يذهبون إليه، بل نقول بكل صراحة إن العملية السياسية قد حازت أعلى علامات الفشل. فالعلة فيها لا تكمن فقط في برامج الكتل السياسية ونوايا قياداتها، ولا في مرجعية العملية السياسية، وهو الدستور المفخخ والملغوم والملتبس في الكثير من بنوده ومواده، بل تكمن كذلك في الصفقات السرية التي عقدت بين أطراف العملية السياسية التي بدأت تناقضاتها تطفو على السطح، وتكمن أيضاً في الدور الذي تلعبه الإرادات الإقليمية التي وجدت في العراق ساحة مكشوفة للصراع.
لم تصل العلاقة بين بغداد وأربيل إلى مستوى خطير من التردي كما يحصل الآن، إذ لم تتحول لغة الحوار بينهما إلى لغة تحديات وتهديدات فحسب، بل أصبح الصدام بينهما غير مستبعد، خاصة وأن الاقتتال بين قوات الجيش العراقي وقوات البيشمركة كان قاب قوسين أو أدنى في السابع والعشرين من يوليو المنصرم.
حين منعت قوات البيشمركة القوات العراقية من الوصول إلى أحد المعابر الحدودية بين العراق وسوريا، الواقع في إحدى المناطق التي تسمى «المتنازع عليها» في محافظة نينوى. وقد وصف رئيس الوزراء العراقي، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، موقف الإقليم بأنه مخالفة دستورية «لا تحمد عقباها».
والحقيقة أن الموقف المتأزم بين بغداد وأربيل ليس وليد هذا الحدث بالذات، بل هو تحصيل حاصل لما عملت عشر سنوات من عمر النظام الجديد وعشرات السنين من عمر الدولة العراقية، من مواقف وأحداث وسياسات تداخلت فيها واندغمت معها مصالح محلية وإقليمية وفئوية، غذتها نزعات عرقية شوفينية.
وهي قضية ليس من السهل تناولها في أطر العملية السياسية الجارية في العراق وأدواتها، بل يتطلب ذلك أن تكشف جميع الخلفيات التي تستند إليها القضية الكردية في منطقة الشرق الأوسط، التي بدأت تتخذ منحى جديدا مع أجواء التحرر التي بدأت دول وشعوب الشرق الأوسط تصنعها.
ويأتي تلويح رئيس إقليم كردستان في الرسالة المطولة التي وجهها إلى الشعب الكردي، على إثر حادث المعبر الذي أشرنا إليه، بإجراء استفتاء في الإقليم حول تقرير المصير، كآخر ما استجد من تصعيد في العلاقات الملتبسة بين بغداد وأربيل، وهو ما جعل جميع القضايا الساخنة الأخرى تتراجع إلى الوراء.
قد يعتبر البعض أن ما ذهب إليه رئيس الإقليم، لا يعدو أن يكون ورقة ضغط لإرغام بغداد على التراجع عن قرار إرسال قوات مسلحة إلى المعبر المذكور، وعلى التوقف عن التصعيد في موضوع تصدير النفط لتركيا، إلا أنه، في رأي آخرين، قد لا يكون كذلك، خاصة أن حلم الدولة الكردية لم يعد بعيداً عن التحقق، سيما وأن إقليم كردستان يمتلك كل مقومات الدولة.
وفي جميع الحالات فإن ما يلوّح به رئيس إقليم كردستان سيكون أمراً واقعاً، غداً أو بعده، ينبغي التهيؤ لمواجهته على مائدة مفاوضات بعيداً عن قعقعة السلاح، وبروحية بعيدة عن التأثر بالمواقف الشوفينية.
والحقيقة أن ما يجري بين بغداد وأربيل يثير الكثير من المخاوف والقلق لدى أوساط واسعة من الشعب العراقي، فالذاكرة العراقية تختزن الكثير من الأحزان والمرارات عن عهود الصراع الذي خاضته الحكومات المختلفة مع الكورد، وما استنزفه ذلك الصراع من ثروات العراق المادية والبشرية، من العرب والكورد على حد سواء، في معارك خسر فيها الطرفان.
الخلافات حول السياسة النفطية التي طفت على السطح مؤخراً، ليست سوى القمة البارزة فوق السطح، فتحت هذا السطح يكمن جبل الخلافات الكبير الذي ما انفك يتضخم منذ عام 2003. قد تتراجع خطورة أزمة المواجهة بين قوات الجيش العراقي وقوات البيشمركة التي برزت مؤخراً، بفعل تغلب الحكمة أو عدم الجاهزية لمواجهتها بخيار القوة عند هذا الطرف أو ذاك، أو أمام ضغوط الولايات المتحدة التي تقوم بدور الوساطة، إلا أن ذلك لن يلغي احتمالية تكرارها في مشهد مختلف وبجاهزيات مختلفة.
من جانب آخر، ليس من المستبعد أن تكون هذه الأزمة مفتعلة في الأجواء غير السليمة التي تخيم على العملية السياسية في العراق، حيث لم تكن هناك ضرورة لإرسال وحدات عسكرية لهذا الموقع الحدودي، دون تنسيق مسبق مع إقليم كردستان الذي لديه حساسية مفرطة إزاء تحركات قوات الجيش العراقي في المناطق المتاخمة لأراضيه. فردود الفعل لقرار كهذا متوقعة، وقد تكون محسوبة للتوظيف سياسياً في إحراج زعماء أصبحوا قريبين من البارزاني في الآونة الأخيرة، وأبرزهم علاوي والصدر.
على أرض الواقع ووفق الدستور العراقي، فإن إقليم كردستان ليس مجلس محافظة تقتصر نشاطاته واجتهاداته على الشؤون الداخلية، فالإقليم له كيان الدولة، وله رأي وموقف إزاء القضايا السياسية الخارجية، الإقليمية والدولية، وله ممثلون في عدد من دول العالم. وقد أسهم الصراع الدائر في سوريا حالياً في إضافة محور خلاف جديد بين بغداد وأربيل، ليس في وجهات النظر فقط، بل في ترجمتها إلى إجراءات منها تدريب كورد سوريين على السلاح، مما اعتبرته بغداد أمراً غير مقبول وتدخلاً في الشأن السوري يتعارض مع مواقف بغداد المعلنة.