ينتقد الرئيس الأميركي باراك أوباما منافسه الجمهوري ميت رومني، لرئاسته شركات كانت "الرائدة في تعهيد الوظائف الأميركية إلى مصادر خارجية"، فيما يتهم رومني أوباما بأنه "كبير المعهدين الحقيقي".

صحيح أن هذه هي أشد أيام الصيف حرارة، وأن هذا هو موسم الحملات الانتخابية الرئاسية السخيف، ولكن هلا تحدثنا بمنطقية، رجاء؟

لقد تجاوز الاقتصاد الأميركي تعهيد الوظائف إلى مصادر خارجية، أو حتى "إلى مصادر داخلية"، بأشواط طويلة. فمعظم الشركات الكبرى التي تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، لا ترسل الوظائف إلى الخارج ولا تجلبها من الخارج. وذلك لأن الغالبية منها لم تعد شركات "أميركية" حقا، وإنما أصبحت شبكات عالمية تصمم وتصنع وتشتري وتبيع أشياء في أي مكان حول العالم يحقق لها أكبر ربح ممكن.

وقال مسؤول من شركة آبل لصحيفة نيويورك تايمز: "إننا لسنا ملزمين بحل مشكلات أميركا، والتزامنا الوحيد هو صنع أفضل منتج ممكن". وكان يمكن له أن يضيف: "وتحقيق أرباح كبيرة بما يكفي لرفع أسعار أسهمنا بصورة مستمرة".

دعكم من الجدل حول التعهيد لمصادر خارجية، فالسؤال الحقيقي يدور حول الكيفية التي يمكن من خلالها جعل الأميركيين على درجة من التنافسية، تدفع جميع الشركات العالمية - سواء أكانت أو لم تكن تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها ـ إلى إيجاد فرص عمل أميركية جيدة.

وتوظف "آبل" 43 ألف شخص في الولايات المتحدة، إلا أنها تتعاقد مع أكثر من 700 ألف عامل في الخارج، وهي تجمع أجهزة الـ"آي فون" في الصين.

غير أن انخفاض الأجور ليس هو القوة الرئيسية التي تدفع "آبل" أو غيرها من الشركات إلى خارج أميركا، فالأجزاء التي يجمعها الصينيون المتعاقدون مع "آبل" تأتي من أماكن كثيرة حول العالم، تضاهي الولايات المتحدة، إن لم تكن تتفوق عليها، في ارتفاع أجورها.

ويذهب ما يزيد على ثلث ما تدفعونه لقاء جهاز الـ"آي فون" إلى اليابان، لأن هذا هو المكان الذي يتم فيه صنع أكثر أجزاء الجهاز تعقيدا، فيما يذهب ما نسبته 17 % إلى ألمانيا، التي يدفع مصنعوها أجورا أعلى من تلك التي تدفع لعمال التصنيع الأميركيين، لأن العمال الألمان يفوقونهم مهارة.

ويذهب ما نسبته 13 % إلى كوريا الجنوبية، التي لا يقل متوسط أجورها كثيرا عن متوسط أجورنا. ويحصل العمال في أميركا على ما لا يتجاوز 6 % مما تدفعونه لقاء جهاز الـ"آي فون"، وتذهب هذه النسبة إلى المصممين والمحامين والممولين الأميركيين، فضلا عن كبار مديري "آبل" التنفيذيين.

وإضافة إلى ذلك، فإن الشركات التي تتخذ من أميركا مقرا لها، تنفذ المزيد من برامج البحث والتطوير الخاصة بها في الخارج. وقد ارتفعت نسبة نفقات البحث والتطوير التي تذهب إلى الشركات الأجنبية التابعة لشركات أميركية المقر، من 9 % عام 1989 إلى ما يقرب من 16 % عام 2009، وذلك وفقا لمؤسسة العلوم الوطنية.

ما الذي يحدث؟ ما يحدث ببساطة هو أن أميركا لا تثقف عددا كافيا من أبنائها، بالدرجة التي تشجع الشركات أميركية المقر على تنفيذ قدر أكبر من عملها ذي القيمة المضافة العالية داخل أميركا. ويواصل الطلاب الأميركيون أداءهم الضعيف في الرياضيات والعلوم، مقارنة بطلاب البلدان المتقدمة الأخرى. فاليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية وكندا وأستراليا وايرلندا والسويد وفرنسا، كلها تتفوق علينا.

وفي حين أن الجامعات الأميركية لم تزل تحتل مرتبة متقدمة، فإن العديد منها يفتقر إلى التمويل الحكومي ويواجه صعوبة في المواكبة. ويعجز المزيد والمزيد من الشباب الأميركيين وأسرهم، عن تحمل تكاليف التعليم الجامعي.

فيما تعمد الصين، من ناحية أخرى، إلى الاستثمار بطريقة جنونية في جامعات ومراكز بحوث عالمية. وفي ما يتعلق بوسائل النقل وأنظمة الاتصالات في الخارج، فهي الأخرى تصبح أفضل وأكثر موثوقية. وفي حال لم تلاحظوا، فإن الطرق الأميركية مزدحمة، وجسورنا في حالة يرثى لها، وموانئنا تغدو بالية، وبالتالي، فإن الأمر لا يتعلق بالاستعانة بمصادر خارجية.

والطريقة الوحيدة لاستعادة الوظائف الجيدة، هي وضع استراتيجية وطنية لجعل الأميركيين أكثر قدرة على المنافسة، من خلال إعادة تجهيز المدارس، ومساعدة المزيد من شبابنا على إكمال تعليمهم الجامعي أو منحهم تعليما فنيا من الدرجة الأولى، وإعادة بناء بنيتنا التحتية.

وبالتالي ضمان مساهمة نسبة كبيرة من الأميركيين في إضافة قيمة كبيرة إلى الاقتصاد العالمي. لكن الشركات الكبرى في أميركا لا تدعم هذه الأجندة، فهي لا تكترث بجعل الأميركيين أكثر قدرة على المنافسة، بل وتقول إنها ليست ملزمة بحل مشكلات أميركا.

إنها تريد خفض الضرائب المفروضة عليها، وخفض الضرائب المفروضة على مسؤوليها التنفيذيين، وتقليل عدد الأنظمة، وخفض الإنفاق العام. ولتحقيق هذه الأهداف، فإنها تملك جيوشا من جماعات الضغط، وتنفق مبالغ طائلة على الحملات السياسية.

ولا تكمن المشكلة الأساسية في تعهيد الوظائف، وإنما في حقيقة أن ازدهار الشركات الأميركية الكبرى - التي هي في الحقيقة عبارة عن شبكات عالمية تتخذ من أميركا مقرا لها - بات منفصلا عن رفاه معظم الأميركيين. وفي غياب حكومة تركز على إيجاد فرص عمل أكثر وأفضل، فإن ما يتبقى لدينا هو شركات عالمية لا تبدي أي اهتمام.